الصفحة 15 من 74

الله - وحسب اتخاذ الفقهاء هذه المقولة أصلًا في شمول الشريعة؛ هو اعتبار هذه المقولة قاعدة فقهية عامة في تصرفات الولاة على الرعية، والله أعلم وبه التوفيق.

وبناءً عليه تكون الوظيفة الأساس لهذه القاعدة الفقهية في سنّ المراسيم والأنظمة واللوائح والأوامر والتعليمات مستمدة من الوظيفة الأساس للقواعد الشرعية، وهي المحافظة على العدل والاعتدال، فأما العدل فهو في أن يكون النظام نفسه ومحل النظام ليس فيه مخالفة لشرع الله عز وجل، والاعتدال هو في أن تكون كمية الأنظمة على قدر الحد اللازم دون زيادة أو نقصان، وفي أن يكون مجال تطبيق الأنظمة بالتساوي بين الناس وحسب الحاجة فقط، وهذا هو معنى وظيفة هذه القاعدة الفقهية في سنّ الأنظمة. يقول الطاهر بن عاشور:"المراد بالانضباط أن يكون للمعنى حد معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه بحيث يكون القدر الصالح منه لأن يعد مقصدًا شرعيًا قدرًا غير مشكك" [1] .

فالقواعد الفقهية تظهر حدود المقاصد الشرعية التي لا تتجاوزها ولا تقصر عنها، وهذه الخاصية سمة بارزة في الشريعة في جميع نواحيها، ويعبر عنها بعض الباحثين (بالوسطية) أو (التوازن) [2] ، وفي ذلك قال الشاطبي:"الشريعة جارية في التكليف ومقتضاها على الطريق الأوسط الأعدل" [3] .

يجري موضوع المقولة العمرية في كل أبواب الفقه: وإن كانت هذه المقولة العمرية يدرجها بعض العلماء في باب الأقضية إلا أن الأقضية تشمل جميع ما يسنّ من قبل ولاة الأمر سواء المراسيم والأنظمة واللوائح والأوامر والتعليمات والسياسات أو القرارات الإدارية والتنظيمات الصادرة عن الدولة، و هذه التصرفات من ولاة الأمور لها مواضيع تدخل في جميع أبواب الفقه كما سيأتي بيانه؛ لذا فمجال إعمال هذا المقولة أشمل من أن يقيد باب الأقضية كما قد يظن من لفظة (الفجور) و أنها لا تجري في كل أبواب الفقه. فقد يفهم البعض من مقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله - أنها خاصة بقضايا العرض، أو جرائم الاعتداء على النفس، أو النسب أو نحو ذلك؛ لذكر الفجور فيها، وأنها لا تجري على المراسيم والأنظمة والتنظيمات واللوائح والأوامر والتعليمات التي تصدر عن الإمام. بينما السياق والواقع يمنعان أن يكون الخليفة العادل قد قصد بلفظة (الفجور) بابًا معينا من أبواب الفقه، فالذي يترجح عند الباحث أن الخليفة العادل أراد إرساء قاعدة عامة، بحيث تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الشرور، وسواءً أكانت هذه الشرور أو الفجور على الأبدان أم الأعراض أو الأموال لتشمل كل مخالفة شرعية حصل احتيال في نوعها، أو تفنن في طرائقها ووسائلها، في أي زمان أو مكان، ومن الأدلة على ذلك

(1) ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، ط2، دار النفائس، عمّان،1421ه، ص 52.

(2) اليوبي، محمد سعد بن أحمد بن مسعود (1419هـ - 1998م) ،مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، الطبعة الأولى، الرياض: دار الهجرة، ص 442.

(3) الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، 2/ 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت