فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 1574

إنه الطريق إلى المعرفة، الوسيلة الحقيقية للسموّ بالإنسان، عن الصراعات والأحقاد.. حيث لا يرى الذي يسلك سبيل المعرفة أمامه سوى النور الذي يضيء له السبيل ليتعرف على الكون وخفاياه وينبذ من نفسه الشرور والعدوان.

وفي أحد الأيام.. وكنت في مخبر تشريح الجثث، وقد أخذت أذنًا بالدخول إليه من الجامعة، بسبب تفوّقي.. وكانت هناك جثة جديدة انضمّت للعنبر.. كانت جثة شاب نحيل.. بدا فتيًّا جميلًا..

سأبدأ تشريح هذه الجثة من الدماغ.. يا إلهي، إنني أشفق على هذا الشاب الأسمر.. سبحان الله، ما الذي أودى به إلى هذه النهاية التعيسة.. يقولون في تقريرهم عن حالته، إنه توفي نتيجة إعطاءه دمًا فاسدًا بعد أن فقد كثيرًا من الدم.. قطع شريان يده ليموت.. حاولوا إسعافه ولم ينجحوا.. يا إلهي ما هذا؟

إن جبهته دافئة، معقول؟ ولكن قلبه لا ينبض..

شعرت بالخوف حين ذلك.. ولكن لماذا الخوف؟ أيخاف الإنسان من واقع هو الموت؟ إن حرارة جسمه تزداد رغم أن قلبه ما زال متوقفًا، حمدت الله أنني لم أبدأ بتشريحه، وبدأت أضغط على صدره بشكل منتظم حتى بدأ قلبه ينبض.. لولا دفء جبهته لكنت الآن قد نشرت الجمجمة لأصل إلى الدماغ. الحمد لله عاد إلى الحياة وبدأ يتأوّه وسمعت صوته أخيرًا كان يتكلم العربية بلكنة أجنبية واضحة وهو يرتجف من البرد.. أخرجته من المشرحة إلى الجو الدافئ في الخارج وأسندته على أحد المقاعد الحجرية.. ثم انتبهت إلى أنه كان عاريًا تمامًا.. ولم أدر ما أفعل.. ثم خطرت لي فكرة إلباسه أحد الأرواب الطبية المعلقة في المشرحة.. وحين عدت إليه وجدته ممّددًا فاقد الوعي بذلت جهدًا كبيرًا لإلباسه (الروب) الطبي ثم خرجت به من الحرم الجامعي وكان الوقت متأخرًا، ورغم معرفة الحارس الليلي لي فقد أوقفني، وقد أعتقد أنني أسرق الجثة، وحين حكيت له ما جرى ساعدني في حمله إلى عربة أجرة يجرها حصان كانت تقف قرب باب الجامعة..

وفي المشفى نقل الشاب إلى العناية المشدّدة وأحضر بعض الأطباء من بيوتهم لمعاينة حالته.. وفي اليوم التالي زرت المستشفى وتحادثت مع الشاب:

-حمدًا لله على سلامتك

تكلم بلكنته الأجنبية:

-من أنت؟ ولماذا تزورني أنا لا أعرفك؟

-أنا حامد.. أنقذتك من المشرحة.

-مشرحة؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟

كان غير عربي لم يفهم الكلمة:

-كنت مريضًا جدًّا.. أنقذتك من الموت؟

-لا أذكر شيئًا، كأنني كنت أحلم..

-طمأنني الأطباء على حالتك.. هل اتصل بأهلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت