فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 1574

قاطعها: -بل اسمحا لي أن أدعوكما للجلوس في مكان هادئ في دلهي القديمة إنه أكثر جاذبية من الفندق..

لم تعترض على فكرة الدعوة.. شدّنا إليه بحديثه الساحر وشخصيته الهادئة المتدفقة بالمعرفة والعلم..

قطعت السيارة مسافة كبيرة وهي تخترق الشوارع العريضة وقد امتلأت الأرصفة بالمشردين وباعة السجائر والأطعمة المطبوخة بالبهارات الهندية التي وصلت روائحها إلينا.

كان الدكتور (ماهر) يتحدث الهندية بطلاقة.. وقد استغرب اتقاني لها.. سألني:

-كيف تعلمت الهندية؟

-اختلاطي بالناس وسفري المتواصل متجولًا في الهند خلال فترة دراستي جعلني أتعلّم الحديث بالهندية، وبالتدريج تعلّمت القراءة والكتابة.. في البداية شعرت بصعوبة، لاختلاط الأحرف الكبير ببعضها، ولكنني تمكنت أخيرًا من تعلمها جيدًا.

أوقف السائق السيارة في مكان مزدحم قليلًا.. وأصرّ الدكتور ماهر على دفع الأجرة..

دخل يتقدمنا إلى بناء بدا لي عاديًا، وحين أصبحنا في الداخل، ميّزت الديكور المتقن، والزخرفة الجميلة والكتابات بالهندية والأردو.. استقبلنا خادم المكان يقودنا إلى جناح صغير، إضاءته ممتازة، ويبدو منعزلًا تمامًا.. طلب منه الدكتور ماهر أن يزيح الستائر، فطالعنا منظر (الريدفورت) القلعة الحمراء، وهي مزدانة بأنوارها الخلاّبة في الليل..

وقد بدت المساكن والنهر الصغير، إضافة للقلعة، بتشكيلها الرائع كلوحة جميلة متقنة الرسم.. همس الدكتور ماهر بالهندية، جملًا لم نستطع سماعها، للخادم فانحنى باحترام وخرج..

-المكان هنا أكثر شاعرية وهدوءًا.

-معك حق.. مع أنني قضيت في دلهي أكثر من سنتين.. تجولت فيها حتى في حاراتها الضيقة لم أر مثل هذا المكان.

-إنه مكان قديم.. يذكّرني بأشياء كثيرة.

تنهد بحزن: -الحياة حافلة بالأسرار.. التي تبدو أحيانًا مستحيلة التصديق.

صمت لدقائق.. شدّت لينا على يدي بصمت.. كان العالم الكهل غارقًا بذكرياته يتأمل القلعة الحمراء، وقد لمحت أو خيل إلي دمعًا يترجرج في عينيه

دخل الخادم يحمل صينية، عليها فناجين مزخرفة.. وضعها أمامنا، وصبّ فيها قهوة نفذت رائحتها الذكيّة إلى خياشمنا..

-إنها قهوة عربية كما نصفها في بلادنا.. (الهيل) فيها خالٍ من الشوائب.. آه.. لا بد وأنكما متشوقان لسماع بقية الحديث عن جدي الدكتور حامد.

-بالطبع يا دكتور.

-حاولت مرارًا أن أتابع جدي في اختفائه.. وسؤاله عن حياته، وعمله وأين يقيم؟

ولكنه كان يبتسم ثم يختفي فجأة من أمامي..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت