فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 1574

…"وهي تعرف دالتها عليه، فتصر على الجلوس في حجره، تعبث بأطراف عباءته، أو تخطف مسبحته، وتدخلها كالقلادة في رأسها، وعندما تعلق بشعرها الكستنائي الغزير تشرع في الصراخ، فيما هو يضحك جذلًا، لأنها تكرر ذلك كل يوم دون أن ترعوي ...!"

…دلف أمين إلى المنزل في تلك اللحظة، متأبطًا كتبه ودفاتره. تجلدت. أمسكت دموعها التي أوشكت أن تنهمر. وتكلفت ابتسامة تواري بها مشاعرها. لكن مسحة الحزن على وجهها الممتقع، وفي عينيها الذابلتين، لم تفلح في إخفاء مكنونات صدرها .قالت أخيرًا بصوت خافت مبحوح:

-وكَّلت أمري إليك يارب.. على رأي الحاجة: العبد في التفكير والرب في التدبير.. وكَّلت أمري إليك.. أنت حسبي ونعم الوكيل .

…السابعة صباحًا. والشمس قد ارتفعت في الأفق تنبئ عن نهار قائظ. تحلق أفراد الأسرة الصغيرة حول (الطبلية) يفطرون. أرغفة الطابون، جبن وزيتون وزعتر في (زبادي) من الفخار. وإبريق صيني أزرق يتعالى بخاره، حاملًا رائحة الشاي والميرمية.

…بدت والدتي عابسة الوجه مقطبة الجبين، وإن كان واضحًا أنها تتصنًّع التجهم، في محاولة منها لتهيئة جو ملائم من أجل إبداء ملاحظات زاجرة، المقصود بها - قطعًا - أخي سعيد. ولما كان ذلك يتكرر منها بين حين وآخر، فقد بتنا قادرين تمامًا على التمييز بين جدِّها المصطنع، وجدِّها الحقيقي، حينما ترى هي ضرورة لذلك .

…وفيما نحن ينظر أحدنا إلى الآخر، نحاول جاهدين أن نكتم ضحكاتنا التي توشك أن تنفجر، وقبل أن تبدأ تقريعها، طرق باب الدار على نحو يوحي بأن الطارق في عجلة من أمره. ذهب سعيد ليرى من بالباب، ثم عاد ومعه فوزي ابن خالتنا، ورفيقي في المدرسة. بدا فوزي على غير ما اعتدنا أن نراه: محتقن الوجه، منكوش الشعر، في عينيه آثار بكاء، تشير ثيابه إلى أنه ارتداها على عجل. بادرته والدتي بالسؤال ملهوفة وقد توجست، بحسها الفطري، لهذه الزيارة في هذا الوقت المبكر:

…- ماذا يا فوزي؟ خير إن شا الله يا خالتي ..؟

…أطرق هذا إلى الأرض. وبدا كأنه يوشك أن يجهش بالبكاء. ولما لم يحر جوابًا، نهضت إليه، واقتربت منه، تحتضنه في حنو قائلة وقد ألم بها الوجل:

…- ماذا هناك يا فوزي.. لماذا لا تتكلم يا خالتي .؟ هل حدث شيء عندكم؟

…رد فوزي بكلمات متقطعة يخنقها البكاء الخافت:

…- محمد.. خطيب أختي فاطمة.. أحضروه الآن مقتولًا ..!

…- مقتولًا.؟ تقول مقتولًا..؟ ومن قتله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت