…- يقولون انه كان في الليلة الماضية مع الثوار الذين هاجموا محطة رخبوت.
…انطلقت أمي مسرعة إلى الغرفة المجاورة تبحث عن شالها وجواربها، فيما هي تصب اللعنات، على الانكليز، ويوم الانكليز. فيما اسئلتها المرتبكة تتلاحق بغير انقطاع دون أن تنتظر ردًا عليها. ذهبت مع فوزي بعد أن أوصتنا بعدم الخروج من المنزل أثناء غيبتها .
…تحايلت على سعيد ومضيت في إثرهما. وحين رأتني لم تقل شيئًا. تسللت بين جمع غفير من النساء اللواتي انتظمتهن حلقات في منزل خالتي (نعمة) . انخرطن في البكاء، ولكن في حذر واضح، خشية أن ترتفع أصواتهن فتبلغ الشارع. وقد أغلقت نوافذ المنزل وبوابته، حتى تلك المفضية إلى الحاكورة، كيلا ينكشف أمر الشهيد، وانتماؤه لهذه الأسرة، من قبل الدوريات الانكليزية التي ما فتئت تجوب الطرقات منذ الصباح الباكر. ذلك أن آثار الدماء والكلاب البوليسية قادتهم إلى مشارف"يبنا"، ثم ما لبثت أن اختفت قبل التعرف إلى مستقر صاحبها، من ثم لم يعرفوا هويته. وما من أحد يعلم، ما هي الاجراءات الانتقامية التي سوف يعمدون إليها هذه المرة. انتقلت إليِّ عدوى الشعور بالحزن.
تذكرت (محمد المغاري) ذلك الشاب الذي كان يداعبني، بل ويمنحني قرشًا كلما التقيته في منزل خالتي. كان طويل القامة، مهيبًا، أسمر الوجه، له شاربان دقيقان، وقد عقفا إلى أعلى، كذيل العقرب، عند طرفيهما. عيناه حادتان كعيني صقر. يرتدي كوفية بيضاء يطوقها عقال أسود. يمشي منتصب القامة شامخ الرأس، وهو يضم أطراف عباءته السوداء، فيبدو كأمير شرقي في حكايا ألف ليلة وليلة. هل مات هو الآخر ..؟ إنهم يقتلون أحباءنا وأهلنا دائمًا ..!
…الدار تغص بالنساء. لغط يختلط بالبكاء هنا والعويل هناك. كلام كثير غير مفهوم تتبادله النسوة. وعديد من الأطفال والغلمان ينسل بينهن كالسهام في إثر بعضهم بعضًا. فرصة لابأس بها للعب..! صبَّية بيضاء، مكتنزة الجسم ترتدي ثوبًا أسود مطرزًا بخيوط حريرية ملونة على الصدر، يغلب عليها اللون الأحمر. وعلى رأسها شال أبيض ينسدل حتى منتصف ظهرها. قالت ردًا على تساؤل رفيقتها النحيلة السمراء، التي تختلف عنها في كل شيء تقريبًا، عدا ثوبها:
…- ... في مستعمرة رخبوت ..
…ردت الأخرى، مصححة:
…- يقولون في المحطة، وليس في المستعمرة ذاتها .
…- لا أدري.. ولكن ما الفرق؟ المهم أنه استشهد.. رحمة الله عليه ..