فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 1574

…".. تصورنا أول الأمر انها مجرد نزوة عابرة.. (ولدنة) .. وأن الأيام كفيلة بإصلاحه .و لكن الأيام لم تزده إلا شقوة كلما شب ونما.".. أخرجناه من المدرسة ليعمل عند (ابو درويش) الوافد من يافا، ليفتح دكانًا للحلوى عند السوق، قائلين أن (الصنعة) خير وأبقى له من دراسة لا يرغب فيها ومن أجل مستقبله قلنا (صنعة في اليد أمان من الفقر) . ولكن شكاوي الرجل بدأت تصلنا تباعًا. كان آخرها قبل أيام، وهي بمثابة إنذار بالفصل، إذا ما وجده يعود للعب الورق مع بعض أترابه، في عقر حانوته أثناء غيابه عن الدكان..".. فإذا كان هذا شأن سعيد، يوم كان الأب الصارم فوق رأسه، فكيف به اليوم وقد غدا بغير حسيب و لا رقيب ..! خطر لها ثاني أبنائها أمين. الولد العاقل المتزن - كما كانت تدعوه - هادئ وديع. حتى ليبدو أكبر من سنه التي لم تجاوز الثامنة. وهي راضية عن سلوكه. إذ هو على النقيض من أخيه الأكبر تمامًا. ولربما كان الفضل في هذا لذلك الأخ نفسه - وإن يكن عن غير قصد -. كان يؤلم أمين أن يرى ما يحيق بأبويه من كدر بسبب أخيه، فجاءت تصرفاته مختلفة عنه. وكان في ثناء أبويه الدائم عليه، فضلًا عن إطراء الجيران له ما يدفعه إلى العمل على إرضائهما ."

…لم يكن هذا - على أية حال - مدعاة لتخفيف آلام عائشة، وإنما كان سببًا آخر يضيف إلى أحزانها الشيء الكثير. إنها حزينة من أجله لأنه كذلك. ولما يعنيه فقد أبيه في سنه المبكرة هذه من تغيير في مسار حياته المقبلة، في اتجاه مستقبله برمته. لقد خطت الرصاصات المجرمة بالدم النازف طريق مستقبلهم جميعًا .

…"أما أحمد فما الذي ينتظره هو الآخر..! كان ممكنًا أن يشب في أحضان أبويه، شأنه شأن أي طفل في هذا العالم. كان ذلك ممكنًا تمامًا، لو لم تبتلنا الأقدار بهؤلاء الانكليز.. ولكن ما ذنبه هو؟ وأيُّ يدٍ أو خيارٍ له في هذا الذي يجري من حولنا ..؟"

…".. وعلياء الأثيرة عند أبيها، ربما لأنها الوحيدة بينهم، فضلًا عن أنها أصغرهم. من يأتيها، بعد اليوم (بحلاوة) أبو درويش، (وملبَّس) أبو العبد الرملاوي في المساء؟ تهرول عندما تراه قادمًا عند ناصية الزقاق، فتلقي بنفسها بين أحضانه، وهو يجلس القرفصاء في انتظار وصولها إليه. تناغيه بكلمات غير مفهومه.. لكنها حلوة.. كالعسل.. كما يقول ...!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت