فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 1574

…ليس معنى هذا أننا كنا نحسب في عداد الفلاحين أو الملاكين الموسرين. بيد أنها كانت تقينا الحاجة و العوز. ولم يكن أمر تعهد الأرض بالأمر الهين، لا سيما أن والدي لم يكن يمارس مهنة الفلاحة بنفسه. كان يعهد بها إلى (مرابع) هو العم عبد الغني، لقاء حصة من نتاجها. أما عمل أبي فقد كان موسميًا، شأنه شأن الكثيرين، في فصل الشتاء، موسم قطاف البرتقال .

…كانت أمي في ذلك الصباح منشغلة البال. فلقد خلت إلى نفسها تمامًا، لأول مرة، عقب انقضاء أيام العزاء بضجتها و زحمتها. أحست كمن يهبط من قطار بعد رحلة طويلة مضنية، والطنين لا يزال يصم أذنيه. انصرف الناس - بمن فيهم الأقارب - كل إلى شأنه. لا ريب أنهم سوف يذكرون محاسن الفقيد من آن لآخر، لاسيما في المناسبات العامة، كالأعياد مثلًا، إلا أنهم سوف ينسونه، بالتأكيد، على مر الأيام. أما هي فاليوم تبدأ مأساتها الحقيقية. وهي التي لن تنسى قط. بل إن مرور الأيام لن يزيدها إلا حنينًا وشجى لذكريات عزيزة خلت، امتزجت بدمها وروحها، وأضحت جزءًا من حياتها وكيانها. من ثم، فهي سوف تتمثلها بحجمها الحقيقي في كل لحظة منذ الآن، وتعيشها في أحلام يقظتها على الدوام. أفاقت من هذه الدوامة على واقعها المرير، الذي لا علاج له، حتى ولا بالصبر الذي كانت الجارات يتحذ لقن فيوصينها به. على الرغم من ذلك حاولت أن تصرف نفسها عن أحزانها - ولو إلى حين - كيما تفكر فيما سوف يؤول إليه أمر بنيها من بعد. قفزت إلى ذهنها صورة أكبرهم (سعيد) لكنها ما أن تذكرته حتى أصابها القنوط. قطبت جبينها، واكفهر وجهها، وألمت بها مشاعر الأسى من جديد:

…".. صحيح أنه قد بلغ الثالثة عشرة من عمره، وأنه يمكن أن يعمل عند بقال، أو حلاق، أو فران - لكنني لا أنتظر منه خيرًا كثيرًا.. ولد شقي منذ طفولته.. أدخلناه المدرسة فهرب منها وأذاقنا الويل.. أجل كان يهرب من المدرسة، ليقضي سحابة نهاره بين الحقول مع مثيل له من رفاقه الملاعين.. يكسِّر أغصان الأشجار.. يسرق البرتقال من بيارة العطار لكي يتخذ من حباته كرة يلعب بها.. يتسلل عبر السياج فيأتيني بثيابه ممزقة.. يتعلق بالسيارات العابرة التي أو شكت إحداها أن تدوسه ذات مرة في طريقها من يافا إلى غزة..!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت