هذا ما استطعت أن أتذكره يا أحمد من قول شاعرنا كيفورك الذي رحل في منتصف الطريق. فماذا ستقول لي أيها الحبيب؟ صدّقني يا أحمد أرى في كلّّ ليلةٍ أمي تناديني وهي عارية. أخلع ثوبي لأسترها به، فيطير الثوب لأغدو عارية مثلها. إن قدرها يا أحمد سيكون قدري، وأخشى أن يأتي يوم فلا تجدني.
ـ أقول يا حبيبتي، كلّّ ما يتراءى لك أضغاث أحلام، أنت زوجتي على سنّة الله ورسوله، وأم ولدي، وحبيبتي التي ما أحببتُ غيرها، واعلمي بأنه لن يفرّقنا إلاَّ الموت.
ـ وأمي إن جاءت؟
ـ ستكون بيننا. سنبني بيتًا يضمّك أنت وأهلك، ثقي بي يا حبيبتي، لن أتخلى عنكم ما دمت حيًا.
ـ وإن رفضت البقاء معي؟
ـ سترحل أينما تريد.
ـ لا يا أحمد.. سأرحل معها.
ـ وأنا؟! وابنك؟!
ـ لكما الله. هذا قدري.
ـ ابعدي عنك الوساوس والأوهام، ونامي فسآخذك غدًا في زيارة عائلية.
ـ إلى من؟
ـ إلى إحدى رفيقات الرحلة الصعبة.
ـ إذا كان ولابد، أرجو أن تأخذني إلى ترفندا وأمها شاكي.
ـ من تعنين؟
ـ أعني بيت أبي ياسين.
ـ هذا ما كنت ـ والله ـ أنوي فعله. نامي الآن يا حبيبتي.
ـ سأنام، ولكن أرجوك أن تبقي السراج مشتعلًا.
ـ كما تريدين..
استكملت هاصميك زينتها، وارتدت ثوبها الأسود، وملاءة حريرية سوداء زادت جمالها ألقًا، بدت كإحدى آلهة الإغريق القدماء..
كان أحمد ينظر إليها بشغف غير مصدّق أن هذه الفاتنة هي زوجته، وأن هذا السحر كله له وحده، فهمس في سرّه: يا الله ما أروعها بلباس الحزن يا رب احفظها لي، ولا تدعها ترحل عني.
شبك يدها، وسارا إلى غرفة أبويه، فوقفت أمه ذاهلة عندما رأتهما، وأخذت تفرك عينيها من آونة لأخرى صائحة:
ياسمين يا نبعة ريحان، يا ورد جوري
ياسمين يا شجرة حور ومزيّنة بالدوري
ياسمين يا عيون نورا، يا أم السوري
ربّ خلّيها لأحمد ولا ياخذها الخوري
وزغردت طويلًا، ولم تتوقّف إلاَّ بسبب الطَرقات المتتالية على الباب الخارجي، وصوت أبي ياسين يهدر مناديًا مستغثيًا.
أسرع أحمد، وفتح الباب، وكاد أبو ياسين يقع أرضًا لولا أن تداركه.
ـ ما بك يا عماه؟
ـ أين أبوك؟
ـ إنه يصلّي. خيرًا إن شاء الله؟
ـ أم ياسين مريضة يا أحمد، ولا أقوى على نقلها إلى المشفى.
اقتربت أم احمد منه ذاهلة، وقالت له بإشفاق:
ـ ماذا أصابها يا أبا ياسين؟