ـ أجل.. تقدر عليه.
ـ ما هو؟
ـ إن كان المولود ذكرًا أرجو أن تسميه (سورين) على اسم جدي رحمه الله.
ـ سورين؟! ما معنى هذا الاسم؟
ـ معناه القوي يا أحمد. أرجوك إكرامًا لجدّي.
ـ أرجو أن تسمحي لي بحذف الحرف الخير منه إكرامًا لوطني.
ـ المهم أن أناديه أنا سورين، وأنت نادِه سوري.
ـ وإن كان المولود أنثى.
ـ أقترح أن تسميها (نورا) على اسم أمّك الطيبة.
ـ اتّفقنا يا حبيبتي.
ساد جو الغرفة صمتٌ كئيب، ينظر إليها.. وتنظر إليه..
كان اشتعال الروح يأخذه إليها دفئًا وأغنية وشوقًا عابقًا بالحب والحنان.. كم كان يأخذه الكلام إلى فضاءات الجسد، فينهل منه بشوق، وكأنّه سيرحل عنه إلى الأبد.. وكانت روحها باردة، وفوق شتائها يطفو الظلام.. تملّكته الدهشة. اقترب منها كثيرًا، فتنهدّت. أراد أن يطمئنها عن المستقبل عندما عجز أن ينقلها إلى عالم السحر واللذة.. أراد أن يقول لها كلامًا كثيرًا لتهدأ روحها القلقة، وتسكن جراحها النديّة، لكنّها كانت تحلّق ببصرها في سماوات التيه. تستذكر الماضي، وتستحضر الحاضر، فترى أنهما توءمان كلاهما يؤدّيان إلى طريق الفناء. أخذت تفتح قلبها لثوب الريح تكسوه بألوان الشجن، وتملأ كأس الحياة اختصارًا تقتفي درب المحن..
قال لها باسمًا:
ـ ما لأنثى الغيم لا تمطر في صحراء روحي بعد إن كانت بحّة الناي في صوتي توافي كلّ هنيهة بالندى بوحي؟ ما لأنثى الغيم كفّت عن السقيا؟ فهل لي الآن من لمى الشهد الرحيق؟
عانقته طويلًا، داعبت شعره الكثيف بحنان، ثمّ وضعت رأسه على صدرها قائلة:
ـ يا أحمد.. لا تلمني.. لقد هدّني وجدٌ أداريه، كنت أمشي حاملة حزني على ظهري، وتلفح جبهتي سحب الغبار، فلقيتك نجمة نابضة بالحب، ومنذ أن تزوّجتك أضحت روحي تعشق النار.. يا أحمد، أغانينا.. أمانينا، استطابت نومها في مهدها.. كم جهدنا نرفع الأبراج فيها كي نهزّ الشمس إن نامت.. لكن الحياة ضيّعتنا.. شاعرنا كيفورك كان معنا، قال له جدي رحمه الله: ألم تقل شيئًا عن هذه الرحلة؟ قال: بلى. اسمع ما أقول:
(رحلة غريبة
لكن كيف؟
وإلى متى سأسير؟
وأدفن في ركضي أعزاء لي
واحدًا تلو الآخر..
ليس تحت التراب
بل في أعماق روحي
في مكان رطب
مؤلم..
جريح
آه هل أعيش أنا؟
أو تعيشون أنتم؟!)