فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 1574

كانت زمجرة العواصف في صدرها أعتى من العواصف التي خلّعت الأبواب والنوافذ، لتطمر البيت بمن فيه وحلًا أحمر تقذفه السماء دون انقطاع...

صاحت من دون وعي:

ـ يا ربّ ساعد جدّي وارحمه... يا ربّ كن معنا ولا تكن علينا... يا ربّ ليس لنا غيرك.

وعندما تلفتت إليه ناشجة، كان في رحلته السرمدية يلوّح بيده المعروقة لظلال تراءت له، فصاحت بأعلى صوت:

ـ ابقَ معي يا جدّي... لا ترحل أرجوك...

وانكبّت عليه تبكي بدموع مدرارة، حتَّى غفت على صدره المهدّم، ولم تفق إلا على ساعدين قويين، وقد حملتاها إلى السرير.

نظرت بذهول، وإذا بأحمد ينشج بصمت. اقترب منها، وجفّف دموعها بمنشفة نظيفة، وعانقها بحنان، فتمتمت:

ـ أريد جدّي يا أحمد.

ـ جدّك اختار الله... إنه استراح يا حبيبتي.

ـ لكن... لِمَ رحل عنّا الآن؟

ـ هذا قضاء الله وقدره، وكلّنا على هذا الطريق.

ـ لكنه جدّي وأبي وأمي وأخي يا أحمد... إنه من ربّاني، وعلّمني وهذّبني...

ـ سأعوضك يا حبيبتي بإذن الله عن حنانه وعطفه وحبه الكبير، فلا تحزني.

ـ لن تستطيع يا أحمد.

ـ سأبذل يا حبيبتي كلّّ جهد، ولن أبخل عليك بشيء إن شاء الله.

بكت هاصميك طويلًا، وغابت في سبات عميق.

السماء مازالت تمطر وحلًا أحمر يلطّخ الوجوه والأجساد، ويرسم خرائط المنيّة على الجدران والنوافذ والأشجار، وعندما اختفى المطر بانت من جديد سحابة صفراء، ثمّ اتّسعت حتى كادت تبتلع السماء.

تلاشت ذبالات المصابيح، واختفت الوجوه بين جدران تفوح منها رائحة العفن..

المآذن تكبر كلّّ هنيهة، والشيوخ يرفعون أكفّهم إلى السماء، يدعون الله ليقشع عنهم هذه الغمّة. لكن الغمّة لم تنقشع إلاَّ بعد ثلاثة أيام، وأصبحت المدينة كما لو أن زلزالًا دمّرها.

اثنا عشر رجلًا ضحايا العجاج، شُيِّعوا بموكب مهيب وكان من بينهم (سورين) جدّ هاصميك الذي بكته بكل ما اختزنته من محجريها من دموع، وما احتضنه قلبها من دماء..

لم تنقطع أحزان هاصميك، وساءت صحّتها حتى أصبحت أطرافها تختلج من آونةٍ لأخرى، وكأن الصقيع يداهمها كلّّ حين. وكان أحمد بكل الحب والوفاء يعانقها، ويرجوها أن تخفف من أحزانها رأفة بصحتها التي تدهورت، وبجنينها الذي سكن أحشاءَها، فتستجيب مرغمة لندائه الناشج، والدموع تطفر من عينيها الزرقاوين كقطع من اللآلئ.. قالت له مرةً:

ـ أشكرك يا أحمد لأنك أقمتَ له احتفالًا في مقبرة النصارى، وأريد منك شيئًا آخر.

أجابها، والبسمة على شفتيه:

ـ أأقدر عليه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت