فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 1574

ـ لم ألمسه، ولكنّ زوجتي متعلّقة به إلى أبعد مدى، إنها تطعمه بيدها، وتغسله، وتُلبِسه، وتُشرف على نظافته حتَّى ينام، غير آبهة لتعليمات الطبيب، ولا أستطيع منعها... إنه جدّها الذي ربّاها منذ الصغر في حِجره يا أبي.

قالت أم أحمد مشفقةً:

ـ دعها يا ولدي تقم بواجبها، أنت لا تعرف وفاء الأرمن وإيثارهم، والأعمار كلّها بيد الله.

دخلت حميدة فرحة على غير عادتها، فتنبّه والداها، وعجبا لتغيّر أحوالها بعد أن كانت كئيبة لا تمزح، ولا تضحك، ولا تكلّم أحدًا إلا عندما تُجبر على ذلك...

تنبّهت حميدة لحالها أمام والديها وأخيها، فوأدت فرحها في قلبها، وتجهّمت فجأة...

ناداها والدها، وقال لها بدهشة:

ـ لمَ تغيّرتِ يا حميدة؟! ماذا أصابك يا بنتي؟!

تلعثمت حميدة وتعثرت في الإجابة؛ تلوّن الوجه الجميل بحمرة الخجل وعقدة الخوف؛ ارتجفت الشفتان المكتنزتان ارتجافةً مريعة، وترقرقت دمعتان على الحدقتين، فانسابتا على الوجنتين بحنان...

اقتربت منها أمّها، وضمّتها برفق فتنفّست الصعداء...

طلبت أم أحمد من زوجها الخروج من البيت لشراء بعض الحاجات، فلبّى طلبها على الفور،وجلست حميدة مع أمّها وأخيها وزوجة أخيها...

ساد الصمت هنيهة... كل العيون ترنو إلى وجه حميدة، وكانت حميدة تغضّ الطرف بحياء، وقد أرهقتها الكوابيس... حطّمت أم أحمد قيود الصمت قائلة:

ـ ما أخبار خالتك يا حميدة؟

ـ إنها بخير يا أمي، وتسلّم عليك كثيرًا.

ـ وابن خالتك سامي، هل كان هناك؟

تملّك الحياء ثانيةً وجه حميدة، وأخفضت بصرها، ولم تتكلّم.

قرصتها أمها من فخذها، فقالت بصوتٍ خفيض:

ـ نعم، كان في غرفته يقرأ.

قال أحمد باسمًا:

ـ أتعرفين يا أختاه أنّ سامي يحبّك كثيرًا، وكلّما كان يفاتحني بموضوع خطبتك، كنت أقول له: تريّث حتَّى تُنهي دراستك، وكان يحاول جاهدًا إقناعي بأن الزواج لا يعيق الدراسة، بل على العكس يكون عاملًا محفزًا ومشجّعًا. قلت له مرةً: لِمَ لا تنتقي فتاة أرمنية جميلة، وتُنهي هذا الموضوع؟ ولكنه صرخ بوجهي قائلًا: إن لم تكن حميدة لي، فلن أتزوج طول العمر...

قالت أم أحمد:

ـ يا ولدي، سامي شاب ناضج، وأصيل ابن أصيلة، والله لن تكون حميدة إلا له، فليطمئن، ولتطمئن حميدة.

انسحبت حميدة باسمة، فقال أحمد:

ـ لكن يا أمي، أخشى على زواجهما ممَّا لا تحمد عقباه، لأنَّ سامي لا يملك شيئًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت