ـ كيف لا يملك شيئًا يا ولدي؟ إنه يشتري الحبوب بأنواعها، ويبيعها، وداره واسعة، ولا أحد يؤنس وحدته سوى أختي.
ـ يا أماه... عدّة مرّات يخسر سامي في بيع الحبوب، فتضطّر أمّه لأنَّ تبيع من ذهبها سدادًا لديونه، إنه لا يعرف البيع والشراء جيّدًا، وهو يدرس الآن، فلننتظر حتَّى يُنهي دراسته ويحصل على وظيفة، وبعدها لكل حادث حديث.
ـ لا يا ولدي. أنا أعرف ما لا تعرفه أنت... سامي يحب حميدة حبًّا ملكَ قلبه وعقله، وأخشى إن لم يتزوّجها أن تفقد أختي وحيدها... كان كلّما عصف به الشوق، وتقاذفته الهموم، يلحّ على أمّه لترسل في طلب حميدة بحجة مساعدتها، وكان لا يراها إلا أمام أمه، فتبدّد كآبته، وتنزاح كل همومه عندما يراها... هذا هو الحب الصادق، واعلم أنني أعطيت حميدة خادمة لأختي، ولا أريدك أن تعارضني.
ـ لكن والدي عندما فاتحته بالموضوع قال لي:
سامي ما زال صغيرًا.
ـ يا ولدي، الصغير بنظر أبيك من لا وظيفة لديه أو عمل مربح.
ـ معه حق يا أمي.
ـ لا يا ولدي... الحق أن يتزوّجا بأسرع وقت. إنّ موقفك وموقف أبيك سبّبا لها الكآبة... يا ولدي، حميدة تختزن في قلبها حبًا كبيرًا صادقًا وشريفًا لسامي، وتتمنّى من كل قلبها أن توافقا، أنت وأبوك حتَّى ترتاح نفسيًا وعاطفيًا... كانت أختك يا أحمد تتمتم سرًّا وعلانية: آه لو وافقا على سامي لعشت سعيدة... هي لا تعرف ما يجول في خلدكما سوى أمر واحد... إنها تخاف أن تزوّجاها من رجل آخر، وكانت كلّما فكّرت بهذا الأمر تنفعل، وتتغيّر ملامحها، وتتشنّج، وتردّد دون سابق إنذار: (وقتها، سأقتل نفسي، أو ألقي بجسدي في الفرات، ولن أكون لغير سامي أبدًا) أرجوك يا ولدي أن تقدّر مشاعر أختك حميدة... لا أريد أن أفقدها أبدًا.
نظر أحمد في عيني أمه، فرأى دمعتين تنسابان في أخاديد وجهها، فعانقها قائلًا:
ـ وعدًا مني يا أماه أن أكون من هذه اللحظة إلى جانب أختي حميدة، وسأقنع أبي بضرورة زواجها من سامي، لأنَّ بيتنا لم يعد يتّسع إلا للفرح.
احتضنت أم أحمد ولدها، وعانقته، وزغردت طويلًا، ثمَّ قامت، ورقصت، وأخذت تُميل جسدها تارة إلى ابنها وتارة أخرى إلى زوجته، وتملّك الجميع شعور بالغبطة والسعادة أكثر من ذي قبل.
كان أحمد أكثرهم سعادة. يتأمل وجه زوجته الملائكي بذهول وعيناه تلتهمان عينيها الزرقاوين بشبق... قال لأمه:
ـ أمّاه... هل رأيت طوال عمرك أجمل من ياسمين؟