ـ أنا والله أكثر منك، الحمد لله الذي منّ علينا بالسعادة التي كنّا نحلم بها منذ سنين طويلة...
ـ الله كريم يا أم أحمد... منذ زمن طويل، وأنا أقول لك: إن الله لن ينسانا لأنَّه يعلم ما تخفي الصدور...
ـ قل لي يا أبا أحمد... ماذا ستفعل بالذهب؟
ـ سأشتري المحل المجاور لمحلي، وأسجّله باسم أحمد، وسأشتري له كل مستلزمات المصلحة حتَّى يظل سعيدًا، وسأبني له غرفة في البيت كي يأخذ حريته، ويعرف أنّ له بيتًا، وأنه أصبح صاحب أسرة.
ـ نِعمَ الرأي والله.
تشاغلت أم أحمد بعقص ضفيرتها، ثمَّ اقتربت من زوجها، وأخفضت رأسها بحياء. أدرك أبو أحمد أن أمرًا ما يدور في خلدها، فأمسك رأسها وقبّله، وقال بصوت يشبه الهمس:
ـ ماذا يدور في هذا الرأس الجميل من أفكار يا ترى؟
أمسكت أم أحمد يد زوجها، وقبّلتها بحنان، وقالت:
ـ أتعرف يا أبا أحمد، لقد تملّكتني الغيرة عندما ذهبت إلى قافلة الأرمن مع ابنك... خفت والله أن تستأثر بواحدة من جميلاتهنّ.
ضحك أبو أحمد طويلًا، وقال:
ـ الصراحة يا امرأة، أنّهن يُسِلن اللعاب. ماذا لو رأيت ابنك وهو يمسك بيد أجملهنّ؟ وكيف هرع أبو سلطان متلهّفًا إليهنّ؟ وكيف وثب أبو ياسين كالنمر إلى حسنائه؟ وكيف انتقى ابنُ أبي طارق التاجر فتاة رائعة؟ وكيف وكيف؟ والله لولاك يا ابنة عمي لَما قصّرت، ويجب أن تعلمي أنه لو أعطوني أجمل الجميلات في العالم، ما قبلت بها إكرامًا لعينيك...
طوّقت أم أحمد عنق زوجها بيديها النحيلتين، وغمرته بوابل من القبلات التي لها خفق كخفق اليدين بالعجين، معتذرة لأنَّ الأرمنيات فائقات الجمال، والغيرة طبع عند النساء.
أغلقت أم أحمد نافذة الغرفة عندما هبّت نسمة محمّلة بالغبار، وفتحت الباب تستطلع الجوّ تارةً، وغرفة أحمد تارة أخرى، ثمَّ جلست تراقب زوجها وهو يقلّب صفحات دفتر جيبه، يحسب ما له وما عليه، فأغلقت الدفتر بهدوء، ونظرت في عينيه الواسعتين، فابتسم وقال:
ـ أين ولدنا أحمد؟
ـ إنه في غرفته... هنيئًا له.
ـ كيف رأيت زوجته؟
ـ إنّها جميلة آسرة... عندما استحمّت، ولبست ثيابها الجديدة، ظننتها ملاكًا هبطت علينا من السماء... يا إلهي ما أجملها! وردةٌ فوّاحة بالعطر... حمامة من نور والله.
ـ اللهم تمّم عليه بالخير والبركة، وارزقه الولد الصالح.
ـ آمين يا رب العالمين.
وأين حميدة؟
ـ عند خالتها تساعدها في جرش البرغل.
ـ أعرفت اسمَ زوجة أحمد؟ لقد نسيته والله.