التفت الرجال على صوت جلبة بالقرب من الحديقة...
كان ثلاثة رجال من الخيّالة، وعندما أومأ لهم علي بك عرفوهم جيدًا، إنهم من كبار التجار...
قال علي بك:
ـ الآن طاب طعام الإفطار...
دخل علي بك بيته، وقد جلس الحاضرون جميعًا وما هي إلا دقائق، حتَّى كان الإفطار جاهزًا. تناولوه بارتياح وحمدوا الله كثيرًا.
قال علي بك لكبير التجار:
ـ لِمَ لم يأتِ أبو طارق معكم؟ ما أخبار ابنه؟
ـ أبو طارق يعيش الفرحة بعد أن تزوَّج ابنه من الأرمنية، وهو سعيد جدًا بها، وليتك رأيت العروس بعد أن ألبسوها أجمل اللباس، وزيّنوا يديها بالذهب. كل من رآها قال: هذه ملاك وليست من البشر. هنيئًا لطارق بها!
ـ كنتُ أتمنى أن يعيش الفرحة هؤلاء الرجال الذين تراهم أمامك... إنهم لم يناموا ليلتهم خوفًا ورعبًا.
ـ ماذا تقول يا أبا راغب؟
ـ إن ثقتهم بي ضعيفة.
قال المختار بصوت عالٍ:
ـ لا والله... إن ثقتنا بكَ يا أبا راغب أكبر ممَّا تتصوّر.
قال كبير التجار:
ـ يا إخوتي، لتتعزّز ثقتكم بنا أيضًا، أرجو أن تأخذوا...
ومد يده في جيبه، وأعطى لكل واحدٍ منهم صرةً، ثمَّ قال:
ـ في كل صرّة عشرون ليرة رشادية، هي دفعة أولى لكم لتساعدكم على تحمل مسؤولية الأمانة التي بين أيديكم.
لم تكن الحديقة تسع فرحتهم. دسّوا الذهب في جيوبهم، واستأذنوا بالانصراف.
قال علي بك قبل أن يغادروا:
ـ أوصيكم يا إخوتي بحفظ الأمانة، والدفاع عنها أمام أي خطر يتهدّدها، تزوّجوهم على سنّة الله ورسوله، واكتبوا وثيقة بذلك، واجلبوها لي كي أُمهرها بخاتمي وتوقيعي.
قال المختار:
ـ سنفعل ذلك هذا اليوم إن شاء الله، واطمئن فوالله الذي لا إله إلا هو ستكون رقابنا فداءً لهم...
وخرج كل واحد إلى بيته والفرحة تغمرهم، بينما بقي علي بك مع التجار الثلاثة يتداولون شؤون البلد، ومستلزمات المرحلة القادمة.
كان أبو أحمد الصباغ في غاية السعادة لأنَّه وجدها على وجه ولده أحمد، وكانت أم أحمد تطلق زغاريد الفرح من آونةٍ لأخرى، وتقوم بحركات راقصة متمايلة على أبي أحمد، الذي يهمّ كلّ آونةٍ للإمساك بها، إلى أن ساعدته آخر مرّة، فوقعت عمدًا في أحضانه... الفرح قصائد عشق لا تستكين... أغصان من ياسمين تتدلّى في فضاء الروح... بيادر فصول خضراء... مهرجان من الفتنة واللذة يغطي كل مساحات القهر والحرمان...
قال لها، والنشوة تغمره:
ـ أتدرين يا امرأة كم أنا سعيد؟!
لامست فخذه برفق، وتنهّدت قائلة: