فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 1574

اتّفقوا فيما بينهم على المجيء إلى بيت علي بك بعد شروق الشمس، فاجتمعوا عند بوابة الحديقة الملأى بالزهور والرياحين...

كان علي بك يقِظًا يتنقل من شجرة إلى أخرى، يشمّ الورد، ويرشّ الماء، ويبعد اليباس إلى ركن قصيّ...

كانوا ينظرون إليه باحترام وتقدير، وهو منهمك في العمل... حتَّى إذا ما انتهى وجلس على كرسيّه يحتسي الشاي تنحنحوا بصوت عالٍ.

وقف علي بك وأمرهم بالدخول، فدخلوا وهم منكّسو الرؤوس...

ـ أهلًا بكم... سنتناول طعام الفطور معًا.

قال المختار:

ـ نحن لم ننم ليلتنا يا أبا راغب. أرجوك قل لنا ماذا سنفعل؟

سقط أبو سلطان عند قدمي علي بك ناشجًا:

ـ أرجوك يا أبا راغب، لقد أحبَّها قلبي والله، ولن أقوى على فراقها. أتوسّل إليك... ساعدني.

مدّ علي بك يده، ورفع جسد أبي سلطان المتهالك، ونظر في عيون الآخرين، فوجدها كابية لا لمعان فيها ولا ضوء، فقال بنبرة قاسية:

ـ إذًا ستتخلّون عن المقاومة؟!

قال المختار دَهشًا:

ـ وما دخل المقاومة بهذا الموضوع؟!

ـ إما أن تسلّموا الأرمن، أو تقاوموا الأتراك.

سكت أبو أحمد الصباغ، ولم ينبس ببنت شفة، أمَّا أبو سلطان فقال:

ـ أنا سأسلّم ما أخذت عندما أعجز عن المقاومة.

قال أبو ياسين بعد تفكير عميق:

ـ والله سأودع مخزنًا من الرصاص في قلب من يقترب من أم ياسين أو من أمها.

أمَّا أبو صادق فقد أخرج مديةً طويلة من جيبه، ورفعها عاليًا، وقال بأعلى صوت:

ـ أنا لها يا أبا راغب.

نظر علي بك في عيني أبي أحمد الصباغ قائلًا:

ـ لم تقل شيئًا يا أبا أحمد!

تنهّد أبو أحمد، وأطلق زفرةً من أعماقه، ثمَّ قال:

ـ والله لن يأخذوا زوجة ولدي أحمد إلا على جثتي.

ضحك علي بك طويلًا، وقال:

ـ هنيئًا لكم ما أخذتم، ولن يستطيع أحد أن يسلبكم الأمانة التي أرتضيتم حملها بصدق. الأرمن يا إخوتي أصبحوا جزءًا منا، ولن تستطيع قوّة غاشمة أيًّا كانت اقتلاعهم من أرضنا، أمّا بالنسبة للوالي فقد أقنعته بأنّ ما أُخذ من القافلة قليل، وذلك لشدّ احتياجات من لا يملك مهرًا أو عمالًا، وقلت له إن من أخذوهم أعرفهم وهم بكفالتي.

هدأت النفوس قليلا، ما لبث أن تنهد المختار.

ـ ما بك يا أبا عدنان؟

ـ لم تقل لي من وشى بنا يا أبا راغب؟!

ـ لم يكن تركيًا، ولا ديريًا أصيلًا.

ـ من هو أرجوك؟

ـ لا يهمّكم اسمه، فهو من منبتٍ سيئ على كل حال، وأرجو ألا تلوثوا أنفسكم به، لقد هديته إلى سواء السبيل، وأرجو أن يكون صادقًا بما وعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت