فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 1574

رأى الحاضر يحتضر، والمستقبلَ مرعبًا... رأى الواقع دفلى والمستقبلَ علقمًا.. شطّ به الخيال إلى رؤى وأوهام وهواجس وعواصف وزوابع، كان يتهاوى بينها لا يلوي على شيء، ولا حول له ولا قوّة... هرش جلدة رأسه الصغير، ومسح أنفه الدامع، ورتّل أبجديّةً عشقها منذ الصغر وتربّى عليها، وأقسم على الوفاء لها مهما كان الثمن. كان أبوه يقول له دائمًا: (الشجرة المُرّة يا ولدي لو طليتها بالعسل لن تثمر إلا مُرًّا) .

كان والده ـ رحمه الله ـ يحثّه على حبّ وطنه والإخلاص له، وأنّ المحتل مهما كانت مواقفه إيجابية فوجوده سلبي.

كان يطلب منه حبّ الناس والإحسان إليهم قدر استطاعته مردّدًا على مسامعه أيضًا ما قاله الشاعر:

أحسِن إلى الناس تستعبد قلوبَهمُ ... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

فالكرم والسخاء أحب الصفات إلى الله تعالى، وهما هبتان يهبهما الله لمن يصطفي من عباده...

كان والده مدرسةً، يردّد على مسامعه صباح مساء الفضيلة والخير والعطاء حتَّى آخر لحظة من حياته...

اقتحم خلوتَه حارسُه الأثير، وناوله وريقةً صغيرة، قرأها علي بك بتمعّن وشردت عيناه...

الأخبار السعيدة بتحرّك الجيش العربي من الحجاز إلى الأردن، ومن الأردن إلى سورية، والحركة الوطنية تلحّ عليه أن يُجهر بالعداء للولاة والسلاطين العثمانيين، وأن يدعو الشعب إلى الثورة.

كان يرى ضرورة التمهّل والعمل بسريّة وكتمان، هذا ما طرحه جهارًا فاتّهمه بعضهم بأنه مع الأتراك قلبًا وقالبًا...

يا لأخلاق الناس الضيّقة! يا لحصاد ألسنتهم! أبعدَ كلّ ما قدّم يُشَكّ بوطنيته وسلوكه... تمتم عليٌّ بحزن:

إذا أهل الكرامة أكرموني ... فلا أخشى الهوان من اللئامِ

كان علي بك يعرف أكثر ممَّا يعرف الآخرون... إنه يعرف الوالي جيدًا منذ أيام دراسته في الآستانة، وكانت له مواقف إيجابية من العرب، وحتى من الأرمن، وكان يأسف لِما جرى لهم في /مركدة/ وغيرها، ويلحّ على رحيل السوقيات فور وصولها دير الزور خوفًا من غضب رؤسائه، وكان عليّ يقدّر مواقفه جيدًا، ولو كان غير ذلك لتغيّر كل شيء... هذا ما كان يجهله رفاقه.

بعد شروق الشمس بقليل، كان المختار وأبو أحمد الصبّاغ وأبو صادق وأبو سلطان وأبو ياسين أمام بيت علي بك...

لم يستطيعوا النوم، ولم يهنَؤوا بمن أخَذوا. القلق والهواجس والظنون تتناهبهم من حين لآخر...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت