رحل الحاضرون وكأن على رؤوسهم الطير، وكل واحد منهم صار يضرب أخماسًا بأسداس... يفكرون بأسوأ الاحتمالات... ماذا ستكون مواقفهم إن أخذوا الأرمن من بيوتهم؟ ماذا سيحلّ بهم؟ كيف سيواجهون الموقف إن أخفق علي بك في محاولته مع الوالي؟
أخذوا يفكرون بعمق، حتَّى إن بعضهم ضلّ طريق بيته، وبعضهم الآخر اصطدموا بالجدران ووقعوا في حفر الطريق وسواقيه...
وبينما كانوا على هذه الحال... كان علي بك يسير بتؤدة متوجّهًا إلى دار الحكومة، حيث الوالي ينتظره على أحر من الجمر.
كان الوالي التركي في حالة هياج شديد، يصرخ كل آونةٍ:
ـ صالح... صالح.. تعالى إلى هنا.
يدخل الشرطي صالح، فيمسكه الوالي من رقبته النحيلة قائلًا:
ـ هل ذهبت حقًا إلى علي بك؟
ـ نعم يا سيدي، وقال لي بأنه سيحضر في الحال.
ـ لِمَ لم يأتِ حتَّى الآن؟
ـ كان في مضافته عدد من الوجهاء، ولكنه سيأتي كما قال لي.
ـ ابقَ في الغرفة الثانية مع المُخبر شريف، ولا تغادرها أبدًا.
ـ كما تريد يا سيدي.
أخذ الوالي يحدّث نفسه غاضبًا، فالمخبر السرّي كان سيّئ السيرة رغم وعوده له بأنه سيغيّر من سلوكه وعطائه لينال الرضا، وكان يخشى كذب هذا المُخبر وتهويله لهذا الأمر، وإعطاءه أكبر من حجمه، فأراد أن يقف على الحقيقة من علي بك، فهو أدرى منه بهذا الأمر، وعندما دخل علي بك إلى الوالي خفّ هيَجانه، واستقبله بترحاب، فهو يحبّه كثيرًا ويثق به.
أشار إليه أن يجلس قبالته، ثمَّ أخذ ينظر إليه بعينين ناعستين قائلًا بهدوء:
ـ أين ذهبت قافلة الأرمن يا علي بك؟
ـ قسم كبير منهم في المشفى، وعدد منهم توفّاهم الله، وآخرون توجّهوا إلى حلب.
ـ قيل لي إن عددًا من رجالات المدينة والريف تقاسموهم.
ـ ثلاثة رجال بحاجة ماسَّة إلى الزواج انتقوا ثلاث فتيات، ورجل بحاجة إلى عمال ميكانيكيين أخذ ثلاثة رجال، وعدد من رجال الريف انتقوا منهم عمّالًا زراعيين، وكلّ ذلك تمَّ بمعرفتي.
ـ كيف يا علي بك؟!
ـ أنا كفيلهم، وأنت تعرف يا مولاي غلاء المهور وفقر الناس، وندرة العمال الصناعيين والفنيين الزراعيين، والأرمن قد حلّوا لنا هذه الأمور المستعصية.
صاح الوالي بالحرس كي يُدخلوا المُخبر شريف على الفور.
دخل شريف فحيّا الوالي ونكس طرفه أمام نظرات علي بك. اقترب منه الوالي وعرك شحمة أذنه بقوة، قائلًا:
ـ أنت قلت لي إنك رأيت الرجال الذين تقاسموا كلّ القافلة، أليس كذلك؟
نظر شريف إلى علي بك، فغمزه بطرف عينه، فقال: