فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 1574

أما جارته الحلوة فخصّها باسم"وردة الختمية".

وذات يوم- لأنه عازب ووحيد- جاء بجهاز مذياع، أدهش القرية النائمة، فاستيقظت، وأصبح بيته مساء كل خميس ملتقى الساهرين القادمين من بيوتهم وقد تعطروا، ولبسوا أفضل ما لديهم، فتدار كؤوس الشاي الخادر، ويتصاعد دخان التبغ، وسط الصمت والإصغاء الخاشع لصوت المذيعة العذب وهي تقدم لهم مطربتهم المفضلة في سهرتها المعتادة.

وكان الرجل، وهو يجلس تحت شجرة التوت العملاقة، يحلم بالمطربة التي سماها بأحد أسمائه العجيبة"قرة العين"، وهي تشرب الشاي بالنعنع البري معه ليلًا، وتشاركه خبز"العباس"صباحًا، هذا الخبز المقدس، الذي لا يقدم إلا في المناسبات المباركة، والنذور مدهونًا بالزبدة والدبس، مخلوطًا بالسمسم وحب الشونيز، فيأكل نصف الرغيف، ويترك لها النصف الآخر، وهو يردد:

-ليت للبراق عينًا..

ولأن المخافر عين الحكومة، وذراعها الطويلة فقد رأى رئيس المخفر في المذياع تهديدًا لسلطته وأهميته، فصادره، بحجة الحفاظ على الأمن، ومنع التجمعات الكبيرة، فعاد الناس خائبين إلى منازلهم، يجترون الخيبة والخوف، وقد فقدوا مسراتهم الصغيرة، وأفراحهم التي كانت تضفيها"قرة العين"كل ليلة خميس على حياتهم، بينما لزم الرجل الصمت والكآبة، يشرب الشاي مع النعنع البري تحت شجرة التوت صباحًا، وقد ترك خبز"العباس"إلى حين عودة"قرة العين"من أسرها عند الأعداء، لتقوده إلى دائرة الفرح، وقد نسي كل الأصوات إلا صوتها الساحر، الذي يسمعه في الأمسيات قادمًا من المخفر.

*الظهور السادس:

قال له أبوه قبل أن يرحل:

-أنت وحيد وضعيف، فحذار من كلاب الدم، فهي تشم رائحة الطريدة الخائفة والوحيدة.

وقال له صديق عمره:

-لا تلعب دور الطرائد، فلم تخلق له، كن الصياد.

وقالت له المرأة التي تسكن في المنزل المقابل قبل أن تهجره إلى أحضان رجل آخر من نفس الحارة:

-لك رائحة تخيفني، ثم عيناك.

ومع ذلك رضي بوردة حمراء، تتركها له سيدة جميلة في نافذته، ثم ترحل دون أن تراه، أو تحادثه، فكان يحلم كل ليلة بشرفة وقمر وورد أحمر وامرأة، تغفو على صدره، فتصحو المجرات، وشبابيط الفرات، وشموس القيظ الحنّان، والمراثي التي نسيها في وحدته، وخوفه، وضعفه، وادكاراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت