ويوم اقتحم كلاب الدم غرفته كآخر الطرائد، توفز، ثم خار، واستسلم ملبيًا نداء البوق النحاسي، وكانت السيدة الجميلة وسط الورود الحمراء تملأ الجدران، فصادروها، كما صادروا ورودها الحمراء الذابلة، واقتادوه إلى جهة مجهولة في سيارة، تحمل لوحة مؤقتة، فرأى الطرقات كما لم يرها من قبل.
قال له المحقق:
-أتعبتنا يا رجل.
فلم يرد، فتابع الرجل:
-كيف تفضّل قهوتك؟
فرد بصوت هامس لكنه واثق:
-كثيرًا من البن، كثيرًا من الورد الأحمر.
قال المحقق:
-يبدو أنك لا تريد العودة إلى البيت.
قال الضعيف:
-تلك حال الطرائد إذا وقعت في شرك الصياد.
ونام ليلته الأولى على البلاط، ومع ذلك ظلت الورود الحمراء تصله بانتظام.
*الظهور السابع:
قال الرجل لصاحبه المجتبى:
-هي أخطاء القلب في الصرف.
قال صاحبه:
-كيف؟!
قال الرجل:
-تحول السد إلى دس، والسعد إلى عدس.
قال صاحبه:
-زدني.
قال الرجل:
-ما تقول في النون؟
قال صاحبه:
-قل أنت.
قال الرجل:
-سراج الليل، وزيت البركة، ومؤونة الشتاء، وفرو السمور، وكستناء المترفين، وعين الحوت، وجمّار النخل.
قال صاحبه:
-أغفلت شيئًا أيها العارف.
قال الرجل:
-دع السيدة الجميلة، ترتدي فروها الأسود، وتسدل قناعها الحجري، وتعلن الاختفاء، فهذا القلب خائف، وهذا الظهور خفاء.
قال صاحبه:
-لك الأبواق.
قال الرجل:
-لي المزامير إن شاء.
ولملم الرجل ورده الأحمر الذابل، وخوفه الأبدي، ولبس معطفه المطري، ثم حمل حقيبته وانطلق كقناص يبحث عن طرائده، وحين نظر إلى أعلى، رأى نافذة مضاءة، وشبح امرأة، بدت جميلة وسط الغبش، فتوقف.
كان المطر ماتعًا، وقطراته تتساقط من أنف الرجل، وهو يفتح حقيبته، ويتناول منها بكل هدوء بندقية صيد خبأها طويلًا في القاع، ثم سدد بإحكام المحترف، لحظتها دفق الصوت من جهة مجهولة آمرًا.
-أطلق جحيمك أيها الصياد.
فضغط على الزناد البارد، فسمع الحي كله دوي تحطم الزجاج، لكنه لم يسمع صوت السقوط لجسد المرأة الجميلة، والدامء تسيل منه، وفاحت رائحة البارود، تختلط برائحة المطر والورد الذابل، وتابع الرجل رحلته تحت المطر، وثمة نداء كالعويل انطلق من سيارة شرطة عابرة، لم يأبه به أحد.
"النصُّ الثالث"
فساد الملح
« هذه الحكايات نيئة لا يربطها سوى الراوي والمكان.. ولا تكتب إلا بهذه الطريقة وهي مع ذلك نصٌّ واحد. »
1-الدوَّارة:
من أين جاءت فضة العلاوي؟