فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1574

-هذا ليس موسم الصيد.

قالت الرائحة:

-أطلق أبواقك.

حينها امتلأت السماء بالزرازير والإوز والحبارى وسمك الشبوط والكلاب السلوقية والصيادين.

*الظهور الرابع:

كان يتدلى من أذني المرأة قرطان طويلان

من اليشب الأحمر البراق، وهي تجلس عارية على الكرسي، تزين شعرها الجثل بريش الهدهد والسمان، وقد كشفت عن أسنان بيضاء كبذور الشمام، فبدت غمازتان عند ملتقى الشفتين، وحول عنقها التالع لفت شالًا من الحرير الأسود الناعم نعومة قرن اليرقة.

وفي الجهة المقابلة وقف الرجل، يتأملها بافتتان، وأصابعه الملوثة بالزيت والألوان، تتابع حركة الريشة على القماش، واللوحة قاربت الاكتمال، بعد تعب طال عامين.

قالت المرأة:

-أنا مرهقة وخائفة.

قال الرجل:

-آن لك أن ترتاحي.

قالت المرأة:

-ماذا تعني؟

قال الرجل:

-يموت الفنان، تموت الموديل، وتبقى اللوحة.

قالت المرأة:

-ألستُ اللوحة؟!

قال الرجل:

-لا.. ولا أنا.

قالت المرأة:

-ومع ذلك ستحمل اسمي.

قال الرجل:

-ربما.

وببراعة وقّع في الجهة اليسرى، ثم اعتدل، وطوّح بالريشة بعيدًا، وصاح بابتهاج المنتصر:

-قفي.

فقامت المرأة من مكانها. وتقدمت بثقة وكأنها على موعد، طال انتظاره فهي لم تشاهد ما يقوم به الرجل.

قالت المرأة:

-آن الأوان.

قال الرجل:

-لك الحق الآن.

وابتعد قليلًا، ليفسح للمرأة مكانًا، ترى منه اللوحة، لكنها حين نظرت، صعقت، فماذا رأت؟ رأت سمكة ذهبية، تسبح في نهر من الرمل والبيوت والوجوه المعذبة، فصاحت بصوت كالنباح:

-هذا جنون، لقد كنت تخدعني.

قال الرجل:

-لقد شاركنا معًا في الخديعة، فكفي عن العويل.

قالت المرأة:

-أنت معتوه.

وانطلقت في الشارع عارية كالمجنونة، وكانت المدينة نائمة، والشوارع خالية، لكن دورية الشرطة المناوبة، ألقت القبض عليها بتهمة الخروج عن الآداب العامة، وهي في المخفر ظنها الضابط المناوب سمكة فأرسلها إلى منزله مع الحاجب، ليعدها للغداء، بينما تحول الرجل إلى سرطان، يدب على الرمل، متجهًا إلى البحر، وهطل في تلك اللحظة مطر غامض من سقف الغرفة، محا البيوت والوجوه من اللوحة، فبدت كمومس عجوز، تقف تحت"الدش"عارية أيضًا.

*الظهور الخامس:

كان الرجل نصف قديس، نصف مجنون.

أعطاه الله موهبة، اختصه بها، فكان يخترع أسماء غريبة لكل ما يقع عليه نظره، فسمى قريته الصغيرة"صباح الخير".

وسمى بقرته الضخمة"نملة".

وسمى مخفر الدرك"معرض الجثث الفخمة".

وسكان القرية"أولاد الجن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت