فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 1574

وانقطع الاتصال في لحظة، كان الرجل يعتقد أنه سوف يستمر ألف عام مما لا تعدون، يحكي ويحكي ويحكي.

عبر الرجل الحديقة إلى الجانب الآخر.

وهو يحمل في يده كيسًا أسود، أودعه دورقًا من النبيذ الأحمر المز، والتفاح الأصفر، وحفنة من المكسَّرات، حين لمح في البداية ثوب المرأة الأخضر المشجّر بعروق نباتية وأزاهير، فخفف خطوه رغم إحساسه بالبرد الناغل، فرآها تقف تحت ضوء المصباح الحليبي، وكأنها ترضع ألوانه، تحمل بين أناملها باقة من الزنبق، وتتأمل ماء النافورة البعيدة، وكأنها تغسل كرز شفتيها وهمومها من أوضار الوقت، لتستعد لصلاة سرية أمام المرمر المغسول بالندى ورائحة المساء والناس والعشب الممدد كأغاني كروانات الليل.

اقترب الرجل منها هامسًا:

-أنت هنا؟

فردت باسترسال:

-ستكون الصياد.

قال الرجل:

-وستكونين الغزالة.

وتحولت الحديقة إلى عربة فارهة، مزينة بالورد وإكليل الأكاسيا، تنطلق بامرأة ورجل إلى جهة محايدة، لكي يقيما مستعمرة لنسل جديد، ويشربا نبيذهما بحرية، ودون خوف، ويتمتعا بخلو المكان من الكراسي، والحرس المستعد دائمًا لإطلاق النار على أي شبح، ثم يناما عاريين في معطف واحد حتى اليوم الآخر.

يقول الرجل:

-قهوتنا في السابعة صباحًا.

ترد المرأة:

-قهوتها في السابعة رملًا.

ويبدأ النعاس يرسم صورة للنوم على الأهداب.

*الظهور الثالث

فرد الرجل أصابعه العشر.

وفتح قلبه الكبير للخُطّاف، وعصافير الجنة، واللقالق، وهو يستلقي على رمل الفرات تحت شمس ناعمة، فدغدغ الماء باطن قدميه فعل السمك الصغير، فاغرورقت عيناه بالضحك النظيف، وغطى الرمل السافي ساقيه، فنمت أعشاب سوداء، وغرق الوقت بالحصى الرقراق، فأدغلت الحوائج بالطرائد والسلالات النهرية والأرواح، فهجس الرجل:

"-امرأة تطلع في لحظة نزق، تجلس أمامك على كرسي من القش، فتوسوس شنوف حجلها الفضي، المزين بالخرز الأزرق كلما حركت قدمها اليسرى تدخن، وتثرثر، وترن ضحكاتها الصافية كأجراس الماعز، وفجأة تنهض كزوبعة... تاركة لك:"

كرسيها خاليًا:

وعلبة دخانها فارغة.

وخلخالها الفضي مرميًا على الرمل، تعويذة سحرية.

ثمة جمار تنتظرك- أيها العاصي- لترمي بها من غابوا يومًا وقالوا: نلتقي"."

نهض الرجل من مكانه، فاستقبلته رائحة المرأة، خليطًا من التبغ ودوار الشمس وعبق الفل، فظل مسمّرًا مكانه، وعيناه تدوران في محجريهما دهشة.

قالت الرائحة:

-أطلق أبواقك أيها الصياد.

قال الرجل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت