2 -ما ورد منه ضميرا متصلا. ومن ذلك قوله تعالى {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} (الكهف: من الآية29) ، فواو الجمع نائب عن الفاعل، وسياق الآية يندرج تحت أسلوب بليغ استعملته العرب، فالإغاثة بشيء غير محمود وهو المهل [1] . والإغاثة مستعارة للزيادة مما استغيث من أجله على سبيل التهكم، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. [2] وقد ورد هذا الأُسلوب كثيرًا في القرآن الكريم، فمنه قوله تعالى {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (التوبة: من الآية34) ، وقوله {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (النساء:138) ، فالبشارة تكون للخير وِجيء بها على سبيل التهكم والاستهزاء بهم.
ومن ذلك قوله تعالى {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} (الكهف: من الآية31) ،الفعل مبني للمفعول، لأن المقصود وجه التحلية، وهي لقوتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلًا من الله تعالى [3] . كقول امرئ القيس
غرائر في كِن وصون ونعمه ... يُحَلَّينَ ياقوتًا وشذرًا مفقَّرًا [4]
بخلاف اللباس فإن الإنسان يتعاطاه بنفسه [5] . فحذف الفاعل تعظيمًا له وتشريفًا.
ومنه قوله تعالى {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} (الكهف: من الآية36) ،فالتاء في محل رفع نائب فاعل. وإنما جاء بالفعل رددت دون غيره، لأنه ناسب السياق، فقد ورد في السورة ثلاث مرات [6] . ومن ذلك قوله تعالى {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّا} (الكهف: من الآية48) ،فالواو في محل رفع نائب عن الفاعل، ويطالعنا الآلوسي معلقًا على سياق هذه الآية بقوله:"وفي الالتفات إلى الغيبة، وبناء الفعل للمفعول، مع التعرض لعنوان الربوبية، والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، من مرتبة المهابة، والجري على سنن الكبرياء، وإظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى [7] ".
(1) ينظر: أضواء البيان 4/ 93.
(2) ينظر: التحرير والتنوير 13/ 308.
(3) ينظر: السراج المنير 2/ 374.
(4) ديوانه 124.
(5) المصدر نفسه 4/ 453.
(6) ينظر: الدر المصون 4/ 453.
(7) روح المعاني 15/ 417.