ومن الماضي قوله تعالى {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} (الكهف: من الآية63) ، الفاعل تقديره هو يعود إلى الحوت. وقرأ أبو حيوة"واتخاذ سبيله ..." [1] ، فهو مصدر معطوف على الضمير في اذكره [2] .
أما المضارع المبدوء بالنون فمنه، قوله تعالى {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} (الكهف: من الآية47) ،"بنون العظمة على قراءة المصحف، والفاعل المحذوف ضمير يعود إلى الله عز وجل" [3] . و"قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن وشبل وقتادة ويحيى والزهري وحميد وطلحة واليزيدي والزيدي ويعقوب (تُسير الجبال) " [4] ،"بضم التاء المثناة فوق وفتح الياء المثناة تحت مشددة" [5] . وحجة من قرأ بالتاء أنه بنى الفعل للمفعول، فرفع الجبال لقيامها مقام الفاعل، فهي مفعولة لم يسم فاعلها، ويقوي ذلك قوله {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ} (النبأ: من الآية20) ، وقوله {وَإِذَا الْجبَالُ سُيِّرَتْ} (التكوير:3) [6] .و"قرأ أبو عمرو ومحبوب وابن محيصن (تسير الجبال) من سارت أي: تسير في الجو" [7] . والجبال بالرفع على الفاعلية [8] . واستدل ابن محيص بقوله"وتسير الجبال سيرا .." [9] وقرأ الحسن (يسير الجبال) بالياء من تحت [10] . و (الجبال) بالرفع على الفاعلية، وجاء الفعل بالياء،"لأن التأنيث مجازي". [11]
والقراءات السابقة، كلها ظاهرة على رأي أبى البقاء [12] . واختار أبو عبيدة (ت210هـ) القراءة الأولى (تسير) بالنون لقوله (وحشرناهم) [13] . وهو الظاهر الأولى بالصواب في هذه الآية، أما استدلالهم بآيات أخرى ليناسب ما قرؤوا به، فذلك يرده أن لكل آية مقتضاها
(1) البحر المحيط 6/ 147.
(2) المحرر الوجيز 3/ 529.
(3) أضواء البيان 4/ 111.
(4) معاني الفراء وينظر: الكشف 2/ 64، الإتحاف 2/ 216، تفسير الرازي 21/ 132.
(5) الإتحاف 2/ 216.
(6) ينظر: الكشف 2/ 64.
(7) الكشاف 2/ 487.
(8) ينظر: الإتحاف 2/ 216.
(9) الجامع 10:416.
(10) البحر المحيط 6/ 134.
(11) الدر المصون 4/ 461.
(12) التبيان في إعراب القرآن 2/ 845.
(13) الجامع 10/ 416.