ارتد بعد قتله المحذر بن ديار البلوي غدرا في الإسلام، وهرب ثم ندم، فكاتب قومه سلوا رسول الله (ص) هل لي توبة، فنزلت الآيات إلى قوله:"إلا الذين تابوا"، فرجع فأسلم (51)
قيل كان من الأنصار، ارتد معه اثنا عشر ولحقوا بمكة كفارا، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة، أسلم بعد نزول الآيات (52) فمثل ذلك تنزل فيه آيات ذم وتوبيخ، فيها قصاص لأنه قتل نفسًا مسلمة، وكأن الله جامله في هذه الآية، ورفض دخوله الإسلام 0
الدليل السادس عشر: صرح النووي والفخر الرازي أن من مات قبل البعثة مشركا فهو في النار، وعليه حمل بعض المالكية ما صح من الأحاديث في تعذيب أهل الفترة، بخلاف من لم يشرك منهم ولم يوحد بل بقي عمره في غفلة من هذا كله ففيهم الخلاف وبخلاف من اهتدى منهم بعقله كقس بن ساعده وزيد بن عمرو بن نفيل فلا خلاف في نجاتهم، وعلى هذا فالظن في كرم الله تعالى أن يكون أبواه (ص) من أحد هذين القسمين، قيل انهم مسلمون، لقوله تعالى {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (53) لكن رده أبو حيان في تفسيره أنه قول الرافضة، ومعنى الآية: وترددك في تصفح أحوال المتهجدين (54)
الدليل السابع عشر: وقد يتساءل بعضهم عن مناسك الحج، هل الذين كانوا يؤدونها مسلمين أم لا؟ فربما نأخذ الجواب من ابن الكلبي بقوله: ان العرب كانوا يحجون الكعبة ويعتمرون على ارث إبراهيم وإسماعيل (ع) ثم استبدلوا دين إبراهيم وعبدوا الأوثان، وفيهم بقايا من عهد النبي إبراهيم واسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة ومزدلفة وإهداء البُدْن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه، فكانت قبيلة نزار تقول إذا ما أهلت:
لبيك اللهم لبيك!! لبيك! لا شريك لك لبيك! إلا شريك هو لك! تملكه وما ملك! ويوحدونه بالتلبية ويدخلون معه آلهتهم (55) 0
وكان عبد المطلب يحج، بل هو من تولى سقاية الحجاج، ومنع الطواف بالبيت عراة، وإلا ينفقوا إذا حجوا إلا من طيب أموالهم وتعظيم الأشهر الحرم (56) 0
الدليل الثامن عشر: الإيمان بالبعث والنشور، ممن كان يقر بالخالق وابتداء الخلق والإعادة والثواب والعقاب، عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الذي كان يوصي ولده بترك الظلم، ويأمرهم بمكارم الأخلاق، وهو القائل في وصاياه: إنه لم يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه ويصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم ومات حتف أنفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب ذلك، ففكر ثم قال: فوالله إن وراء هذه الدار دارًا يجزى المحسن بإحسانه والمسئ يعاقب على إساءته، وأن عبد المطلب لم يعبد صنما، وأنه كان مسلمًا على ملة النبي إبراهيم (ع) (57) 0
وقس بن ساعدة الأيادي، فهو الذي يقول في بعض مواعظه: كلا ورب هذه الكعبة ليعودن من مات، ولئن ذهب ليعودن يوما، فأقر في هذا الكلام بالإله الواحد، وأثبت الإبداء والإعادة، وقد دل على ذلك أيضًا، بأبيات قالها وهي:
يا ناعي الموت والأموات في جدث
عليهم من بقايا بزهم خرق
دعهم فإن لهم يومًا يصاح بهم
كما ينبه من رقداته الصعق
حتى يجيبوا بحال
غير حالهم خلق 0
وأما عامر بن الظرب العدواني، فإنه كان من حكماء العرب وخطبائهم، وله وصية طويلة قال في آخرها: إني ما رأيت شيئًا قط خلق نفسه ولا رأيت موضوعًا إلا مصنوعًا ولا جائيًا إلا ذاهبًا، ولو كان يميت الناس الداء لأعاشهم الدواء، ثم قال: أرى أمورًا شتى وشئ حي، قيل له: وما حي؟ قال: حتى يرجع الميت حيًا، ويعود لا شئ شيئًا، وكذلك خلقت السماء والأرض، فتولوا عنه ذاهبين، فقال: ويل أمها نصيحة لو كان من يقبلها لقلتها.
ومن هؤلاء زهير بن أبي سلمى، كان يميز بالعصا وقد أورقت بعد يئس، فيقول: لولا أن تسبني العرب لأنت الذي أحياك سيحيي العظام وهي رميم، ثم آمن بعد ذلك، وقال في قصيدته التي أولها:
أمن أم أوفى ذمته لم يؤخر
فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم 0