إسرائيل يبزقن في وجهها فلم تكلمهن حتى دخلت في محرابها (31) إذًا هناك مؤمنات من بنو إسرائيل، وهذا دليل ينفعنا في إثبات وجود الإسلام.
المسجد
وقد ارتبط بـ مفهوم المحراب مفهومًا آخر أوسع منه، هو المسجد الذي تقام فيه الصلاة ويضم إليه المحراب، وبهذا هو يجمع الصلاة والمحراب معًا، فقد روي في قصة النبي زكريا انه دعا ربه (وهو قائم يصلي في المحراب) أي: في المسجد، وقيل: في محراب المسجد (32)
وروي عن الإمام الباقر (ع) قال"ان امرأة عمران لما نذرت ما في بطنها محررا قال: والمحرر للمسجد إذا وضعته أو دخل المسجد فلم يخرج من المسجد أبدا فلما ولدت مريم {000 قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (33) فساهم عليها النبيون فأصاب القرعة زكريا، وهو زوج أختها وكفلها وادخلها المسجد" (34) 0
كذلك ورد في قصة أصحاب الكهف قوله تعالى {000 إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} (35) 0 وقد بحثنا هذه الآية في بحثنا عن أصحاب الكهف، لذلك أخذنا منه ما يهمنا في هذا الموضع، من دون الإشارة إلى المصادر الذي نقلنا عنا، وتمت الإحالة إلى بحثنا، بهدف تفادي كثرة المصادر خشية إطالة البحث 0
أشارت الآية إلى تنازع القوم الذين ظهروا على أمر أصحاب الكهف من أهل مدينتهم قيل المؤمنين وقيل رؤساؤهم، فقال بعضهم: ابنوا عليهم مسجدا يصلي فيه المؤمنون تبركا بهم، وقال بعضهم: لا بل هم نيام كما كانوا، فقال عند ذلك بعضهم: إن الذي خلقهم وانامهم وبعثهم اعلم بحالهم وكيفية أمرهم، فقال عند ذلك الذين غلبوا على أمرهم من رؤسائهم لنتخذن عليهم مسجدا أي لنجعل هناك موضعا يدوم لبثه، وتكثر الملازمة له، ودل ذلك ان الغلبة للمؤمنين، وقيل مسجدا يصلي فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا، وعن الجبائي نبني عليهم معبدا وموضعا للعبادة والسجود يتعبد الناس فيه ببركتهم 0
وهذا رأيٌ تنقصه الدقة، لان الآية قالت مسجدًا، فلماذا التأويل الخاطئ؟ وتَقّول الآية ما لا تقل، فهي لم تقل معبدًا، وهناك فرقُ بين المعبد والمسجد فالأول للوثنين والثاني للمسلمين، وما قاله الجبائي ربما يمثل رأي مدرسة تنفي وجود مسلمين آنذاك، فإذا أرادَ موضعًا للعبادةِ، هذا قولٌ لا بأس فيهِ، وعن قوله إنهم أرادوا بناء المسجد يصلي فيه أصحاب الكهف بعد يقظتهم، فهذا قولٌ ليس صحيح، وفيه شيء من السخرية، لان الله اماتهم ثم أحياهم، وفي ذلك حكمة ربانية لقدرته تعالى على بعث الأجساد 0
ويروى عند وفاتهم بنيّ على باب الكهف بنيانا، كما يبنى في المقابر، وهذا البناء، هو مسجدا يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم والغرض من ذلك سترهم وحجبهم عن الأنظار، إذ جعلوهم ورائه وهذا شيء جميل، فالقولان لابأس بهما، فالستر أمر مرغوب فيه، وهو كرامة للميت والحي، هذه الغاية الأولى لبناء المقام عليهم، والثانية هو مسجد للصلاة عند مرقدهم على اعتبار أنهم من أولياء الله الصالحين، فلا ضير من ذلك 0
وان كان التنازع في أصحاب الكهف، كان المعنى أعثر الناس عليهم بعد بعثهم؟ عن نومتهم ليعلم الناس ان وعد الله حق وان الساعة لا ريب فيها عندما توفاهم الله بعد اعثار الناس عليهم وحصول الغرض، وهم أي الناس يتنازعون بينهم في أمرهم، كأنهم اختلفوا: أنيام أم أموات؟ وهل من الواجب ان يدفنوا ويقبروا أو يتركوا على هيأتهم في فجوة الكهف فقال المشركون: ابنوا عليهم بنيانا واتركوهم على حالهم ربهم اعلم بهم أنيام أم أموات؟ وقال المسلمون نبني عليهم مسجدًا، ردا منهم لقول المشركين ابنوا عليهم بنيانا، 000وقوله (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) هؤلاء القائلون هم المسلمون ومن الشاهد عليه التعبير عما اتخذوه بالمسجد من دون المعبد فان المسجد في عرف القرآن هو المحل المتخذ لذكر السجود لقوله تعالى {000 وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا 000} 0
وقال الملك: ينبغي ان يبنى هاهنا مسجد ونزوره، فان هؤلاء قوم مؤمنون، وفي بعضها أنهم ماتوا أو ناموا قبل أن يدخل الملك عليهم وسد باب الكهف وغاب عن أبصارهم فلم يهتدوا للدخول فبنوا هناك مسجدا يصلون فيه.