الصفحة 18 من 22

وذكر الطبري الخلاف الدائر بين الناس الذين حضروا قصة أصحاب الكهف والجدل في ذلك، حول الجهة التي أرادت ان يبنى بناء حولهم، وقد اختلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار قيل المراد بذلك عدوهم، وقال"عمى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم، فلم يهتدوا، وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا، فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها، وقال المسلمون: بل نحن احق بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه، ونعبد الله فيه"0

وقال ابن كثير"والظاهر ان الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر لان النبي (ص) قال"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم 000"0"

لاحظ انحراف ابن كثير عن منهج الحق بنفسه ذاكرًا ان الحاكم كان مسلمًا، ثم ذكر صراع فئة المسلمين والمشركين، حول البناء على أصحاب الكهف، فالواقع عرفًا ان الشرك نقيضه الإسلام، وبما انه ثبت وجود مشركين، فالطرف الأخر يكونون ماذا؟ فهم مسلمين بلا شك، وبهذا أبت نفسه - أي ابن كثير - ان يقر وجود الإسلام قبل البعثة، فقال"والظاهر ان الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ولكن هل هم محمودون أم لا؟"ونحن نسأله من هم أصحاب النفوذ؟ أليس الملك يندوسيس الذي قال عنه مسلما؟ فالحقيقة ظهرت في كلامه من دون ان يشعر 0

واتخاذ المسجد يشعر ان هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل هم أهل السلطان والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من عدادهم، والأول أولى قال الزجاج هذا يدل على انه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور لان المساجد للمؤمنين 0

قيل المتنازعون هم أهل ذلك الزمان، وفيه خمسة أقوال الأول إنهم تنازعوا في البنيان والمسجد، فقال المسلمون نبني عليهم مسجدا لأنهم على ديننا، وقال المشركون نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل سنتنا، والثاني: إنهم تنازعوا في البعث، فقال المسلمون: تبعث الأجساد والأرواح، وقال بعضهم تبعث الأرواح من دون الأجساد فأراهم الله تعالى بعث الأرواح والأجساد ببعثة أهل الكهف، والثالث إنهم تنازعوا ما يصنعون بالفتية، والرابع إنهم تنازعوا في قدر مكثهم، والخامس تنازعوا في عددهم وفي القائلين لهذا قولان إنهم مشركوا ذلك الزمان، أم إنهم الذين اسلموا حين رأوا أهل الكهف قاله ابن السائب 0

وقال ابن قتيبة يعني المطاعين والرؤساء، قال المفسرون وهم الملك وأصحابه المؤمنون اتخذوا عليهم مسجدًا وبذلك يمكن القول ان أصحاب الكهف في قصة موتهم وأحيائهم حكمة إلهية ربانية، أريد منها تطبيع الأذهان وتهيئتها لفكرة الإمام المنتظر (عج) وهذا ما أشار إليه الطوسي بقوله"أيضا قصة أصحاب الكهف وقد نطق بها القرآن وتضمن شرح حالهم واستتارهم عن قومهم فرارًا بدينهم، ولولا ما نطق القرآن به لكان مخالفونا يجحدونه دفعا لغيبة صاحب الزمان عليه السلام، وإلحاقهم به، لكن أخبر الله تعالى أنهم بقوا ثلثمائة سنة مثل ذلك مستترين خائفين، ثم أحياهم الله تعالى فعادوا إلى قومهم 0"

وهناك اختلاف حول الجهة التي قالت (ابنوا عليهم بنيانا) هل هم مشركون، أم مؤمنون؟ عن ابن عباس، مشركوا ذلك الوقت أرادوا ان يستروهم عن الناس فجعلوهم وراء ذلك البنيان وقيل المراد بهم الملك المؤمن وأصحابه، وقيل أولياء أصحاب الكهف من المؤمنين، وقيل رؤساء البلد الذين استولوا على أمرهم 0

خلاصة القول: مهما كان أمر المتنازعين سواء أكانوا مشركين أم مؤمنين، فان ذلك يدل على وجود فئة مشركة وأخرى مؤمنة والأخيرة هي التي تعنينا، وإما شكل البناء، مهما كان فهو مثوى أناس مسلمين مؤمنين، وآية من آياته، لذلك يكون مقدسا يزوره الناس ويتبركون به، فوجود الأمة المسلمة والمسجد الذي بنيَ عليهم يمثلان دليلا على وجود الإسلام والإيمان في تلك المدة المتقدمة على البعثة النبوية، وهذا هو هدف الباحث (36) 0

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

هوامش التمهيد

1)آل عمران /19

2)آل عمران /85

3)آل عمران /39

*الحيس: خلط الاقط بالتمر، يعجن كالخميرة. حسته حيسا، وحيسته تحييسا. الفراهيدي: كتاب العين (مادة حيس)

4)المعارف /621 0

5)محاضرات في تاريخ العرب / 74

6)تاريخ 1/ 170

7)كتاب الأصنام /8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت