الصفحة 9 من 26

المخلوقات وأنواعها من ترابط متسق العرى، ولا سبيل إلى الانطلاق في رياض القرآن للإحاطة والاستيعاب، وحسبنا هذه اللمحة المصورة في روعة البيان القرآنى (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) .

والقرآن العظيم إذا تحدث عن سنن الله في المجتمع الانسانى فانه يتحدث عنها كحلقة في سلسلة النظام الكونى القائم على التناسق بين عناصر الكائنات الوجودية، تناسقًا تؤدى به عملها الذى تقتضيه طبيعة وجودها في مكانها من الحياة، فهو يتحدث عن نشأة هذا المجتمع نشأة استقلالية النوع، ولكنه مرتبط أشد الارتباط بهذا الأرض يعيش عليها، لأنه منها بمادته خلق، وإليها بهذه المادة يعود (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) وبهذا الارتباط يحقق التوازن بين عناصر بنائه بناءً اجتماعيًا، ينبع منه تفكيره، وأخلاقه، وطرائف عيشه، ومراحل أطواره الاجتماعية صعودًا وانحدارًا في منازل الوجود المقدر له.

وفى نظرة القرآن العظيم إلى أطوار المجتمع الإنسانى التى مر بها في مراحل الحياة بين مد وجزر واتساع وانحسار، يعتمد على طبيعة النماذج بين قوى أفراد المجتمع تمازجًا يجعل من القوى الفردية قوة موحدة العناصر الفعالة في توجيه المجتمع كله إلى آفاق التقدم الحضارى، والإفادة من قوى الطبيعة المسخرة لصالحه - بيان لأصول السنن الإلهية في حياة المجتمع الإنسانى التى يحقق بها التوازن الاجتماعى في حياته.

وهذه القوة الموحَّدة لعناصر التوجيه في المجتمع الانسانى هى سنة الله العليا في توازن حياة الانسان، التى تنبثق منها سائر السنن الأخرى الموجهة للأفراد والجماعات والأمم والشعوب.

والقرآن يتحدث عن سنة الله في نشأة المجتمع الإنسانى وعوامل تكوينه، مبينًا أن هذه النشأة لم تكن من قبيل الطفرة المبدعة، ولكنها نشأة إنسانية مبدأً ونهاية، مرت في أطوار مختلفة الخصائص والمقومات (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلًا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) فهذه دورة كاملة مر فيها الإنسان بأطوار خلقية متعددة، لئن كانت موجزة النص مجملة التعبير فقد فصلت آياتها في آيات آخر (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً) ويتردد هذا المعني في آيات القرآن تردادًا ليس لتكرار التأكيد ولكنه ترداد لتأسيس زيادة في حقيقة التكوين أو التوجيه (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها) وهذه العلاوة في هذه الآية هي نقطة التحول في اول تطور اجتماعي للإنسان (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) .

ومن هنا بدأ الإنسان تطوره الاجتماعي، ومن هنا بدأ الإنسان يكون مجتمعا إنسانيا فقد أرشده القرآن الي طريقة البناء الاجتماعي لهذا المجتمع، ووضع له أساس صيانته من التصدع والإنهيار، فلينطلق من هنا الي طور آخر أوسع وأعمق (ياأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت