الصفحة 10 من 26

وهذا هو المجتمع الذي أنشأة الله تعالي، ووضع له سننه لكي يعيش علي هذه الأرض يعمرها فكريا واجتماعيا، ويقيم عليها منارات العدل ومنازل الرحمة و التعرف الأخوي، ليضمن لنفسه البقاء في سلالاته المتتابعة إلى أن يجئ الأجل المقدور.

وقد صور القرآن الحكيم هذا المجتمع في آياته خلقا وتوازنا بسلطان السنن الألهية وبيانا لعوامل البقاء التي تحفظه من معاول الهدم والانحلال وتصونه من التفتت والانهيار، وتباعد بينه وبين الفناء المفاجئ المستأصل، أما الخلق والتوازن فقد أوضحنا سنن القرآن فيهما، وأما بيان العوامل الحافظه، الضامنة للبقاء الي أن تجئ كلمة الله، فنحن نجدها في هذه الآيات الثلاث التي قدمنا الحديث عنها.

وأول تلك العوامل الحافظة - الاخاء الرحمي الذي قام علي الوحدة النوعية في الدم والتوالد، وهذه الوحدة ثمرة لوحدة المنبع الأصيل الذي انسابت منه السلالات الإنسانية بصورة موحدة المنشأ لم تختلف منذ آلاف أو ملايين السنين والأحقاب كما يقرر القرآن ذلك في نوع من السنن الألهية الثابتة التي لا تتغير، يقول الله تعالي مثنيا علي نفسه بما هو أهله، مبيننا سنته في توالد النوع الإنساني (الذي أحسن كل شيئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) فجعل نسل الإنسان من سلالة الماء صورة لم تختلف قط في انسان أي إنسان منذ عرف آدم حواء، وعرف ذكر أنثاه وهذا إعجاز في جانب الاخبار التكويني يتحدي به القرآن العالميين والعالمين.

وهذا العامل الحافظ للمجتمع الإنساني من التفتت والإنحلال قد تكفل بإقامة دعامته أمر جازما وترغيبا محببا قول الله تعالي عقب بيان سنة الله إجمالا في خلق الإنسان (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) كما تكفل به نهيا زاخرا ووعيدا مرعبا قوله تعالي (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) وثاني العوامل الحافظة للمجتمع من التحلل والانهيار هو المودة الرحيمة والرحمة الودودة، وهذا العامل تكفل به قول الله تعالى (وجعل منها زوجها ليسكن اليها) وهذا اجمال فصله بعض التفصيل قوله عز شأنه (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة) وزاده تفصيلا وارتباطا وثيق العري قوله تبارك وتعالي (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفده) فالمودة والرحمة التي يريد الله في سنته لحفظ المجتمع هما مادة لبناء أول مجتمع يقوم عليه صرح المجتمع الانساني الشامخ العريض، وهما ثمرة الاخاء الرحمي الذي ربط الله بوشائجه الانسانية كلها رباطا أخويا لا تنفصم عراه.

وثالث العوامل الحافظه للمجتمع من الذوبان هو التعارف العام بين فصائل الانسان تعارفا يقرب تباعد التوالد والاستيطان ومؤثرات البيئات الطبيعية والأجتماعية وهذا العامل تكفل به في القرآن النص الذي بدأ الطور الأكبر لتكوين المجتمع الإنساني في اعظم واوسع معانيه في كلمة واحدة (لتعارفوا) ولكن هذه الكلمة الواحدة في حقيقتها الإجتماعية موسوعة المجتمع الانساني في حياته الصالحة وهي كتاب السنن الألهية في توازن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت