الدليل بهذا العالم العلوى على باهر قدرة الله تعالى انتقل إلى الحديث عن الأرض وألوان الحياة فيها، وسيد الأرض الذى سخر الله له ما فيها من منافع هو الإنسان، لأنه صاحب السلطان على كل ما سخر الله له من شئ، ومن هنا كان لابد من اختصاص هذا الإنسان بنوع من السنن الالهية، يقيم عليها بناء حياته بدأ وانتهاء.
وأول ذلك خلقه وابداعه في صورة من التناسق الخلقى لم تكن لغيره من سائر المخلوقات، ولذلك كانت موضعًا لامتنان الله تعالى بها عليه باعتبارها أعظم نعمة أنعم الله بها على نوع الانسان لما أودع فيها من سنن الله تعالى المحققة للتوازن الخلقى بين أعضاء الإنسان وعناصر تركيبه، فالله تعالى إذ يقول مقسمًا (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) فإنه سبحانه ينبئ الإنسان عما أودعه في خلقته من سنن الهية خاصة جعلته أحسن خلق الله تركيبًا وتصويرًا، وهذا كما بينه الله في سورة الانفطار إذ يقول مثنيًا على نفسه تبارك وتعالى في صدر بيان فيض جوده مبينًا منازل هذا الجود (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك في أى صورة ما شاء ركبك) فهذه الآيات الثلاث بيان لسنة الله تعالى في التوازن الذى أقام الله عليه خلق الانسان في تسويته بين أعضائه تسوية تلائم هيئة كل فرد من أفراده، فقوله تعالى (فسواك) إشارة إلى سنة الله في التنسيق الابداعى لخلقه الإنسان، وقوله (فعدلك) إشارة إلى التوازن الذى تحققه سنة الله تعالى في هذا الخلق، وإذًا فمناط التسوية لابد أن يكون شيئًا آخر غير مناط العدل أو التعديل، وإن كان بينهما تلازم يشبه أن يكون اتحادًا وليس به، ولا نرى أن في القرآن تكرارًا ليس فيه تأسيس لحقيقة جديدة زائدة، يقول الإمام الرازى في تفسيره عن مقاتل أنه قال في بيان معنى الآية:"يريد تبارك وتعالى عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع"قال الرازى معقبًا على قول مقاتل: وتقريره في علم التشريح أنه سبحانه ركب جانبى هذه الجثة على التساوى، حتى إنه لا تفاوت بين نصفيه، لا في النظام ولا في أشكالها، ولا في ثُقُبها، ولا في الأوردة والشرايين والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها.
فالقرآن العظيم يرسم صورة للنظام الكونى في نماذج من المخلوقات، يستبين منها أن الكون كله خاضع في نظام سيره وتركيب عناصره لسنن الله التى خلقه محكومًا بها، مترابطًا بوشائجها في وحدة قائمة على اتساق في وضع وتركيب كل كائن بما يهيئ له القيام باداء ما خلق له من المنافع والمصالح ما دام في موضعه من نظام الكون العام، وهذا التماسك والاتساق بين ذرات الكون هو ما نعنيه بالتوازن المحكوم بسنن الله في هذا الكون العظيم.
يقول الإمام الرازى: ان مقادير العناصر لو لم تكن متعادلة متكافئة، بل كان بعضها أزيد بحسب الكمية أو بحسب الكيفية من البعض الآخر لاستولى الغالب على المغلوب ووهى المغلوب، وتنقلب الطبائع