الصفحة 6 من 26

ومن هذا النبع انساب نمير ما تنزل من آفاق التقديس لجلال الله في قوله تعالى مبدوءًا بعلم التنزيه وعنوان التقديس (سبح اسم ربك الأعلى الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى) فالثناء على الله تعالى بعد الأمر بتقديس اسمه الذى انبثقت منه سننه الكونية في تدبير ملكه وتربية خلقه، بأنه قدر خلق كل مخلوق وسواه في أوضاع عناصره تقديرًا متوازنًا مع سائر عناصر الكون والحياة بيان لسنة الله تعالى في نظامه الأبدى للكون.

والثناء على الله سبحانه بأنه قدر خلق كل من خلق وما خلق وسواه في صورة لا تتكرر وهى في موضعها من الحياة والكون، تؤدى مهمتها التى لا تؤديها صورة أخرى في مخلوقات الله، بيان لسنة التوازن الابداعى في خلق الله، وبيان لارتباط حياة كل مخلوق في طريقة عيشه بطبيعته وخلقته التى أبدع عليها.

وهذا التوازن الإبداعى الذى يصور سنن الله في الكون هو في القرآن الكريم صورة واحدة، بيد أنها تتألف من خطوط مختلفة الألوان والمقادير، فهو في عوالم السموات كنفسه في عوالم الأرض، ولكل عالم خطوطه وألوانه، وفى هذا المجال الفسيح يصرف القرآن الحكيم أياته بين ألوان من الحقائق، فيعم تارة، ويخص أخرى، فإذا تحدث عن خلق السموات والأرض خلقًا متلبسًا بالحق - أى محكومًا بسلطان سنن الله - نراه يتحدث عن عوالم الكواكب ونظام سيرها في فلكها فيقول (والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) فمستقر الشمس في جريها هو مدى سيرها الذى تنتهى إليه وى تتجاوزه في حركتها المقدرة لسبحها في فلكها الخاص بما يحقق التوازن بينها وبين عالمهاوسائر عوالم السموات والأرض وما بينهما في تقدير العزيز العليم، وكذلك منازل القمر في سيره قربًا وبعدًا وصغرًا في رأى العين وكبرًا، حتى إذا بلغ آخر منزل منها بدًا دقيقًا باهت النور متقوسًا كما هو قضية هذا التشبيه اللطيف الذى جاءت به الآية الكريمة، توازن ثابت محكوم بسلطان السنن الإلهية، فلا تدرك الشمس في جريها لمستقرها القمر في سيره إلى منازله لأن كلًا منهما محكوم بسلطان وضعه الخاص في نظام الكون العام، لا يجيد عنه ولا ينحرف حتى يأتى وعد الله، ولهذا جاءت فاصلة الآية الأولى مقررة لألهية التوازن في سنن الله اذ تقول مشيرة إلى جرى الشمس لمستقرها (ذلك تقدير العزيز العليم) وجاءت فاصلة الآية الثالثة لترد ما خص بعض الكائنات من سنن الله إلى عموم التوازن في نظام الكون فتقول (وكل في فلك يسبحون) والشمس والقمر في تعبير القرآن الكريم نموذج لعالم الكواكب في توازن النظام الكونى. فما ثبت لهما من حظ في سنن الله يثبت لغيرهما من سائر الكواكب في مداراتها.

والقرآن الحكيم في حديثه عن آيات الله الكونية يقرن الأرض بالسماء، ثم يتحدث عن شئ من عوالم السماء إبرازًا لمافيه من سنن الله وآيات ودلائل قدرته، كما رأينا في حديثه عن الشمس والقمر، فإذا استوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت