الصفحة 5 من 26

خالقها دلائل وجوده، وبراهين وحدانيته، وآيات قدرته وعلمه وحكمته، ووكل إلى العقل البشرى تكليفًا وتشريفًا الكشف عن هذه الدلائل والبراهين بما أودع فيه من قوة إدراكية غائصة، وبما أمده به من عون في تهديه إليها، وهذا المعنى هو خلاصة وعد الله تعالى لهذا العقل بالكشف عن آيات الله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)

يتحدث القرآن الحكيم عن سنن الله العامة في الكون على أنها دعامة النظام الكونى المتماسك بوشائح التوازن الإلهى الذى يحكم به هذا النظام، فهذا الترابط المحكم بين عوالم الكائنات علويها وسفليها، وهذا التنسيق بين آحادها ومجموعاتها، وهذه الأوضاع المنسجمة التى تتراءى في وضع كل كائن في مكانه من التركيب الكونى، وهذا الاتساق في تقدير صلة كل عنصر من عناصر الكون بسائر العناصر. هو الإطار الذى تجمعت فيه الخطوط التى تصور سنن الله الكونية التى يتحقق بها التوازن بين جميع المخلوقات، وقد بين القرآن ذلك في عديد من آياته فقال في سورة الحجر (وما خلقنا السموات والأرض وما بينها إلا بالحق) وقال في سورة الروم (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) وقال في سورة الدخان (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق) وتختص آية الدخان هذه بلطيفة قرآنية تؤكد قيام النظام الكونى على السنن الإلهية، وذلك في نفى اللعب عن خلق السموات والأرض، وذلك يعنى نفى الفوضى التى تعتمد المصادفات العمياء، ولهذا عقبها القرآن بما رجع الآية إلى أختيها آيتى الحجر والروم في بيان أن خلق السموات والأرض وما بينهما صدر منذ الأزل متلبسًا بالحق، والحق هو الوجود الثابت الذى لا يتغير ولا يتبدل.

والتوازن بين عناصر الكون ووشائجه هو سنة الله التى دبر بها الكون، وعليها أدار فلك نظامه الإلهى البديع، وهذا التوازن هو العدل الذى قامت به السموات والأرض، وهو الحق الذى خلقت به الحياة.

ومن أبرع ما عبر به البيان القرآنى من سنة الله العامة في الكون ما لقن الله تعالى كليمه موسى عليه السلام في جوانب التعنت الفرعونى إذ يقول حاكيًا للسؤال والجواب في أوجز أسلوب إعجازى (قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) والتعبير بقوله (أعطى كل شئ خلقه) بيان لسنته تعالى في توازن عناصر كل مخلوق، توازنًا جرى على تقدير منسق محكم، والتعبير بقوله (ثم هدى) بيان لسنة الله تعالى في توازن التمكين الذى أوتيه كل مخلوق في طرائق عيشه وضوابط حياته فإعطاء الله تعالى كل شئ في الوجود تقديره الملائم لمكانه من نظام الكون، وتوجيه الله تعالى لكل مخلوق، بمقتضى خلقته الخاصة التى فطره الله تعالى عليها لكى يُعْطى ما أريد منه في الحركة الكونية الدائبة هو سنة التوازن الكونى العام التى يقوم عليها صلاحه وبقاؤه في نظامه الالهى البديع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت