الصفحة 3 من 26

وإنما يذهب القرآن بأمته في الإخاء الإيمانى إلى وجوب تحمل المسؤولية الإيجابية العلمية التى تجعل من كل أفراد الأمة عضوًا يتدفق إليه الشعور بالمسؤولية عن حياة الأمة ووزنها بين الأمم، تدفقًا يدفعه دفعًا إلى العمل الجاد في سبيل الحفاظ على كيان المجتمع الإسلامى سليمًا من شوائب التحلل والإنهيار، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

ونحن اذ نستنطق القرآن الكريم لنتعرف منه سنن الله في المجتمع لا بد لنا نتعرف من خلاله. في إيجاز مجمل وإجمال موجز سنن الله في الكون عامة، لأن سنن الله بصفة عامة، سواء أكانت كونية أم بشرية مرتبطة أشد الارتباط في وحدة نظامية يأخذ بعضها بحجز بعض، وتتماسك في اتساق حتى تكون نظامًا كونيًا متناسقًا أبدع ما يكون التناسق، يسير العالم في ظله بسمواته وأراضيه ومن فيهما وما فيهما وما بين ذلك من خلق لا يعلم عدده ولا حقائقه إلا مقدره وخالقه، محكومًا بتلك السنن الإلهية التى لا تحيد عن خطها المرسوم في لوح الأزل، وإنما عقول البشر هى التى قد تنحرف عن مهيع التناسق الكونى إفراطًا أو تفريطًا، قصورًا عن إدراك وشائج التناسق، أو جموحًا في ارتياد تلك الوشائج، فتتوهم وتتخيل، ثم لا تلبث الحقائق الكونية في سنن الله أن تردها إلى دائرة الحقيقة الكونية الكبرى: (ان الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما أحد من بعده) .

للقرآن الحكيم فلسفته الكونية الخاصة ونظرياته الفلسفية في الحياة التى تقف على مشارف بيناته تترقب العليم ممن اهتدى بهديه ليأخذ بناصيتها فلسفة قرآنية خالصة، لا شرقية ولا غربية، هى مع القديم كنفسها مع الحديث، لأنها فلسفة تقوم على دعائم النظام الإلهى المحكوم بسنن ثابته لا تتغير، بيد أنها اتخذت في طبيعتها سمة المرونه التى تتسع بها لأحتضان كل حق عرفه العقل البشرى عن طريق تجاربه قديمًا أو كشف عنه بالعلم حديثًا، وهذا النظام الإلهى هو فلسفة القرآن واحد لا يتبدل ولا يتغير، لأنه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا، وإنما معرفته هى التى قد تشتبه على العقل، فيعرف منه وينكر، والعقل ان لم يعتمد على الايمان بالله الواحد القهار - وهذا الايمان هو الدعامة لفلسفة القرآن - قد يطوح به الغرور في مهامه لا معالم لها، يهتدى بها السائرون فيها، ويحسبون السراب ماء، وركام الفراغ جبالًا، وظلال الآفاق طرائق لهداية السالكين، يدورون حول أنفسهم حيارى لا يهتدون إلا إذا فاءوا إلى دوحة الإيمان.

فنظريات القرآن العلمية وفلسفته الكونية، وسننه في الحياة عامة، وفى المجتمع البشرى وتطوراته الفكرية والاجتماعية لا يزال كثير منها وكثيرًا جدًا غيبًا حجبه الجهاد والفتح في الماضى، ويحجبه اليوم سحاب الفلسفات الغريبة عن القرآن التى وفدت إلى ساحاته مع الوافدين إلى ظلال الإيمان به، والطامعين في نفحاته، فاكتسبت سرابيل من نسج لغته وبراعة بيانه، فتوهمها أهل الطموح لتبوء آفاق الدنيا من أولئك الوافدين خلعًا من عطائه، فتقمصوها شعارات للتعالم بفهم رموزه وإشاراته، وقالوا للناس في بيان مغلق يجمجم ولا يكاد يبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت