أن المجتمع المسلم مجتمع سلام ومسالمة، لا يستكين ولا يستسلم، وهو لا يخاف الحرب ولا يجبن عنها، لكنه لا يشعل ثقابها ابتداءً، فإذا أشغلها أعداؤه خاضها منتصرًا للدفاع عن كيانه، في صراحة لا تعرف اللف والدوران، ولا تتشدق بالسلام الزائف، سلام الخطب الطنانة، والكلمات الإنشائية الرنانة، فسنة الله مع هذا المجتمع إذا ألجئ إلى الحرب تتمثل في قول الله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد) وفى قوله عز شأنه (فإما تثقنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) وفى الآية توجيه للمحاربين من جنود الإسلام وقوادهم أن تكون ضرباتهم قوية حاسمة يذهب دويها إلى الآفاق لتبلغ الذين يتسترون وراء الاعداء المباشرين للحرب، فتملأ قلوبهم رعبًا وفزعًا يمنعهم من مناصرة أعداء المسلمين سرًا وعلانية.
وقد عقب القرآن العظيم الاذن بالقتال لدفع الظلم ببشرى للمؤمنين الذين يقاتلون انتصافًا لانفسهم ختم بها النص مبينًا أن الله تعالى - وهو القوى القهار - هو الذى سيتولى نصر أوليائه المؤمنين ولو قل عددهم وكثر عديد أعدائهم، بشرط أن يستجيبوا لسنة الله في مجتمع الايمان، فيعدوا للظالمين سلاحًا مثل أو أفضل من سلاحهم، وأن يواجهوا أعداءهم قوة موحدة القيادة، فقال تعالى (وإن الله على نصرهم لقدير) وذلك بعد أن قدم على آية الإذن بالقتال نصًا صريحًا بانه عز شأنه هو الذى يدافع عن المؤمنين فقال (الله يدافع عن الذين آمنوا) وهذا وعد من الله القوى العزيز، ومن أصدق من الله قيلًا، وقد صدق الله وعده مع الذين صدقوا في نصره، وأعز جنده الذين استجابوا لأمره فحكموا شرائعه في حياتهم، ووجهوا عدوهم أمة واحدة، وقوة واحدة، وقيادة واحدة بإيمان راسخ، نصرهم في بدر، ونصرهم على الأحزاب في الخندق، ونصرهم في حنين، ونصرهم في حروب الردة، ونصرهم على جحافل فارس حتى اسلمت الفرس كلها، ونصرهم على حشود الرومان حتى حُرر من نيرهم الشام ومصر، ونصرهم على وحوش التتار في عين جالوت، ونصرهم على الصليبية المتألبة الحاقدة في حطين، في كل هذه الانتصارات التى حفظها التاريخ واضحة المعالم كان عدد المسلمين أقل من عديد عدوهم، ولكنهم انتصروا لأنهم حققوا سنة الله في توجيه المجتمع المسلم، فواجهوا عدوهم موحدة كلمتهم وأهدافهم، يدافعون عن الحق، ويقاتلون بالحق، ويقاومون الفساد والظلم، ليرفعوا راية العدل وينصرون الله ورسوله، فنصرهم الله تحقيقًا لسنته تعالى في تنازع البقاء وصراع الحق والباطل.
ثم بين نص الإذن للمؤمنين بقتال أعدائهم السبب المباشر لورود الإذن بالقتال، فقال يصف المظلومين الذين اذن لهم في قتال الظالمين (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) ومعنى ذلك أن أن هؤلاء الظلمة الطغاة تجردوا من طبيعة الانسانية، فكانوا غلاظ الأكباد، قساة القلوب، لا يعرفون الشرف في حرب ولا في سلم، شردوا الآمنين وأخرجوهم من ديارهم، وعرضوهم لشتى أنواع العذاب وصنوف البلاء،