الصفحة 21 من 26

وحديث القرآن عن سنة الله تعالى في المجتمع الايمانى بربط نصره تعالى للمؤمنين على أعدائهم بنصر المؤمنين لله واعتصامهم بدينه وتمسكهم بأحكامه والعمل بشرائعه، وإقامة حدوده، مرتبط أوثق ارتباط بسنة من سنن الله العامة في المجتمع الانسانى كله، تلك هى سنة الصراع الدائم بين الحق والباطل التى يقررها القرآن الكريم كضرورة في حياة المجتمع البشرى عامة، وقد صور القرآن العظيم هذه السنة الكونية الالهية المسيطرة بسلطانها على الحياة في مشارق الارض ومغاربها، أبرع وأبلغ تصوير فقال عز شأنه (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا) وقد جاء هذا النص القرآنى العظيم بعد أول نص أذن الله فيه للمؤمنين أن ينتصفوا من أعدائهم ويردوا الاعتداء بكل ما في طاقتهم من قوة، وذلك قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) .

وصور أمر الله المجتمع الايمانى بعد هذا الاذن في سورة (بدر) وهى سورة الأنفال التى نزلت في قصة تلك الغزوة المباركة، بالانتصاف من أعداء الله واعداء المجتمع الايمانى، بعد أن كانوا مأمورين بالصبر على الأذى ممنوعين من رد الاعتداء، أن يعدوا لاعدائهم أقصى ما تبلغ استطاعتهم المادية والعلمية من قوة وسلاح، يرهبون به أعداءهم الظاهرين المعلنين لعداوتهم في حروب مدمرة، وأعداءهم المستخفين وراء خداع الحياد والصداقات الزائفة، فقال تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) فهذا النص القاطع الصريح لم يبق للمسلمين قاطبة عذرًا يتعلل به في اهمال إعداد القوة الحربية بجميع أسلحتها التى أعدها ويعدها أعداؤهم بل أن النص القرآنى ليطلب إلى المسلمين أن يكون إعدادهم لقوتهم الحربية متفوقًا على أعداد أعدائهم، لان قوة المجتمع الاسلامى الحربية لا يراد بها الهجوم على أحد، ولا يراد بها مجرد الدفاع لهجوم واقع من العدو، وإنما يراد بها - كما هو صريح النص القرآنى إرهاب عدو الله وعدو المسلمين، وارهاب من خلفهم ممن يهمهم ألا تطفأ نار الحرب ولاتقف رحاها، لان استمرار اشتغالها يحقق لهم مكاسب مادية، يعيشون في دنياهم من أجلها.

وإرهاب هؤلاء وهؤلاء يقتضى إعداد قوة متفوقة على قوتهما، لتخيفهم وترهبهم فلا يحدثوا أنفسهم باقتحام أسوار الأمة الاسلامية في حرب عاتية باغية.

ولم يأذن الله تعالى للمؤمنين بقتال الظالمين والانتصاف منهم ورد اعتدائهم إلا بعد أن أصبح المجتمع الاسلامى متمكنًا من الانتصاف ورد الاعتداء، وقد بين القرآن في نصه أن هذا الإذن كان لدفع غوائل الظالمين المفسدين الذين يجب على أهل الحق والإصلاح - بمقتضى سنة الله في الصراع بين الخير والشر - أن يقاتلوهم دفعًا لظلمهم كما هو نص التعليل للاذن بالقتال بأنهم ظلموا، فالمجتمع المسلم لا يقاتل حبًا في القتال، ولا بغيًا على أحد، ولكنه يقاتل دفاعًا عن نفسه وردًا لاعتداء أعدائه عليه، فآية الإذن في القتال صريحة فى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت