ذلك هو الطريق العملى الذى يرسمه القرآن للمسلمين إذا ارادوا أن يغيرالله مابهم من شقاء وذلة وضعف وجهالة، وسنة الله تعالى مع المجتمع الاسلامى في هذا الموقف الذى يتكالب فيه اعداء الاسلام على المسلمين ويتناصرون عليهم ماديًا وفكريًا، أنه تعالى يأمر هذا المجتمع المسلم أن يعود الى وحدته الإيمانية بصورة إيجابية عملية لا تغنى فيها العواطف السلبية ولا الخطب الكلامية (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وحبل الله هو عهده الذى أخذه على المؤمنين أن يكونوا قوة رائدة قائدة، لا يكتفون بحماية انفسهم ولكنهم يجب أن يحموا الآخرين (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) 0 ولم يكتف القرآن العظيم بالأمر بالإعتصام بحبل الله والنهى عن التفرق، بل أكد ذلك في جانب النهى بقوله (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين) والتنازع المنهى عنه هنا وان كان عامًا فإن رأسه وذروته التى يترتب عليهما الفشل وذهاب الريح والقوة إنما هوتفرق القيادات واختلاف سياسة المجتمع، فإذا لم تتحقق للمسلمين وحدة ايمانية كاملة يشعر فيها كل شعب مسلم، وكل امة مسلمة، وكل جماعة مسلمة، وكل حاكم مسلم، وكل محكوم مسلم اينما حل من أرض في وطن مسلم أو غير مسلم، بمسؤوليته مسؤولية ايجابية عملية، تتحقق بالمشاركة العقلية في حرب اعداء الاسلام المتكالبين عليه، على اية صورة تبلغها اقصى طاقة المسلم، بالمال أو النفس او الرأى والتدبير والدعاية الصادقة فلن يتحقق للمسلمين نصر على أعدائهم، ولن يرفع الله عنهم أثر الهزائم التى اوقعها بهم ليذيقهم بأسه تأديبيًا لهم على انحرافهم عن جادة الحق التى جاءهم بها القرآن العظيم 0
وليس في ارض الاسلام وأوطانه امة مسلمة او جماعة مسلمة إلا ولها مشاكل معقدة، تثير عليهم أعدائهم، يستضعفونهم ويقودونهم الى الفرقة الممزقة لشمل المسلمين، وحسبنا هنا هذه الاشارة لننقل تفكير رواد الاصلاح الاسلامى من التعميم الى التخصيص لنرى أن حاجة المسلمين الى الوحدة الإيمانية والتناصر الايجابى العلمى ضرورة ملحة لواقع المسلمين عامة في اقطار الاسلام من اقصى الشرق الى اقصى الغرب، والذين يتخيلون انهم ليسوا في الميدان واهمون مغرورون، وليست هذه الحرب القائمة التى تخرب ديار المسلمين وتعتدى على مقدساتهم إلا مثل يضربه الله تعالى لما هو قائم في جميع بلاد الاسلام واوطان الأقليات الاسلامية التى تسام سوء العذاب، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
والسنة الالهية التى يقررها القرآن العظيم في أخذ المجتمع الاسلامى بها تضيف الى الوحدة الإيمانية اذا تحققت مايجعل تلك الوحدة ذات أثر فعال في اعادة عزة الاسلام والمسلمين، ذلك أن هذه الوحدة لا تستطيع أن تؤدى واجبها في انهاض الأمة الاسلامية وايقاظ ضميرها إلا اذا تحقق لها الاعتصام بالايمان، ايمانا يعمر قلوب القادة والشعوب على السواء، ايمانًا يدفع الرعاة في ظل مسؤليتهم العظمى ويدفع الرعية