الصفحة 17 من 26

ليتذكروا ماكانوا عليه من خير وهدى، علهم يعودون الى إصلاح أحوالهم، فيرفع الله عنهم بأسه وشدة وطأته، فإذا عادوا الى الشر والفساد عاد الله عليهم ببطشه وانتقامه، وهكذا تقتضى سنة الله وعدله أن يجزى الإحسان إحسانًا، والسوء عقابًا وعذابًا، فإن أحسن الناس كان احسانهم لأنفسهم، لأنهم يجنون ثماره نعمًا ورحمة، وإن أساؤوا فعواقب إساءتهم راجعة اليهم، لا يضرون إلا أنفسهم 0 يقول تعالى في بيان هذه السنة الإجتماعية التى يعامل الله الناس بمقتضاها (إن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مرد له ومالهم من دونه من وال) أما الأمانى الكاذبة والضراعات الجوفاء الخالية من مصاحبة العمل الجاد للتخلص من الشرور والآثام فهذه لا يقام لها وزن في قوانين السنن الالهية التى أقامها الله معالم يهتدى بها الناس في حياتهم وامور دينهم ودنياهم.

وهذه السنة كما تقررها الآية الكريمة عامة شاملة، فهى في جانب الخير والانعام نفسها في جانب الشر والآثام، ولباب هدايتها أن الله لا يغير ما بالناس من عافية ونعمة حتى يغيروا ما هم متلبسون به من طاعة وإحسان، فلا يسلبهم نعمه التى أنعم بها عليهم حتى يحدثوا تغيير مابهم من خير وهداية الى شرور وضلالات، ولا يغير مايحل بقوم من عذاب ونكال، وخزلان وإذلال جزاء مارتكبوا من عصيان وآثام حتى يغيروا مابأنفسهم من الشرور ويحدثوا توبة صادقة تنقلهم من حضيض الفساد والفجور الى آفاق الهدى والاصلاح، فيؤمنوا بعد كفر وجحود، ويهتدوا بعد ضلالة وكنود، ويعلموا بعد جهالة ويحسنوا بعد إساءة 0

وقد أكد القرآن الحكيم منهج هذه السنة الاجتماعية ببيان أحد جانبيها تقريرا للواقع الذى وعظ به المنحرفون الذين غيروا مابهم من نعم الله كفرًا وتحليلًا، وتقليدًا لأئمة الكفر والضلال، فأنزل بهم انتقامه، واخبر أن ذلك سنته وعدله في الأمم منذ كان المجتمع، وبين أن الطغاة من أحلاس الشرك يتشاكلون في عتوهم وسوء خلائقهم، فعقاب المتأخر منهم كجزاء المتقدم (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب 0 وذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا مابأنفسهم وأن الله سميع عليم) ومعنى ذلك أن هذا النكال الذى أنزل على الطغاة من معاندى القرآن الكافرين بآياته ودعوته الى الخير والحق متدرج في قانون سنن الله في المجتمع، فعمل هؤلاء كعمل من تقدمهم من الطغاة الذين عاندوا الرسل وبغوا على ربهم من آل فرعون والذين من قبلهم من الطغاة، فأخذهم الله بذنوبهم عدلًا منه تعالى، وقد أخذ هؤلاء كما أخذهم ليعتبر من عنده بقية من خير 0

وهناك سنة من سنن الله في المجتمع يقررها القرآن مرتبطة بتلك السنة الالهية المتقدمة التى تقرر أن الله لا يغير ما بالناس من حال سعادة أو شقاء إلا إذا غيروا ما بأنفسهم 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت