الأخذ علي يدي الخاصة من الطغاة الظالمين سلط الله تعالي علي هؤلاء الظلمة أمثالهم ليؤدب بعضهم بعض (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) .
ومن سنن الله في المجتمع ما قرره القرآن الحكيم في مواضع فيه من أن الله تعالى يأخذ أهل البطر والغرور الذين تطغيهم نعم الله عليهم فيفسدون في الأرض فيدمرهم الله تدميرا يقطع به شأفتهم من الحياة تطهيرا لها من رزائلهم وأنه تعالى لا يؤاخذ الناس إذا انحرفوا عن منهج الخير حتي يعذر اليهم بالإنذار والبلاغ وارسال الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وكذلك لا يؤاخذهم عاما إلا إذا ظلموا وبغوا في الأرض، يقول الله تبارك وتعالي: (وكم اهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين. وما كان ربك مهلك القري حتى يبعث في أمها - أي حواضرها وعظائم مدنها - رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القري إلا وأهلها ظالمون) فإذا انحرفوا بعد دعوة الرسل، وأفسدوا في الأرض، وتسلط عليهم الطغاة الظلمة أنزل الله بهم انتقامه عاما وأحل عليهم سخطة جزاء وفاقا لأعمالهم بعد الاعذار اليهم عدلا من الله ورحمه.
ومن سنن الله في المجتمع التي يقررها القرآن الحكيم أن أخذ الله للمفسدين الظالمين لا يفردهم بالعذاب والنكال دون سائر من يحيون معهم، ويخالطونهم في عيشهم، ولكنه إذا أخذ بانتقامه لتفشى الفساد عم المذنب وغير المذنب، وشمل الظالم والمظلوم، لا يميز بريئًا من جارم، يقول الله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وانما يحشرون إلى الله على حسب نياتهم، وهناك يكون التمييز بين جارمين والبراء، وعموم هذه الآية مقيد بقوله تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) فالراضى بالشر والفساد شريك لفاعله، يؤخذ معه بما يؤخذ به من بأس الله ونكاله، ومقيد بقوله تعالى (لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) فترك التناهى عن المنكر والفساد جعل الساكتين عن إنكار المنكر شركاء لأهل الفساد، فنزلت عليهم جميعًا لعنة الله وحل بهم سخطه، واعتبروا كافة عصاة آثمين.
ومن سنن الله تعالى في المجتمع التى يقررها القرآن أن الله تعالى لا يُحدث للناس حالًا من النعيم أو البؤس إلا اذا أحدثوا لأنفسهم حالًا غيروا به ما كانوا عليه من الخير والهدى، فعاثوا في الشر والفساد، أو ما كانوا عليه من الطغيان والإفساد، فثابوا إلى الخير، وأنابوا إلى ربهم تائبين، والله تعالى أخبر أنه فطر الناس على الخير والهدى، فقال جل شأنه (فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) فإذا غير الناس فطرة الله بسوء تصرفهم، وانحدروا مع الشيطان إلى مزالق الشر والفساد في عقائدهم وتفكيرهم وسلوكهم الاجتماعى أنزل الله بهم عقابه، وأذاقهم عذابه الشديد