الصفحة 15 من 26

قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يتعظون، وقد استولي عليهم الشيطان وهو عدوهم المنذرين بعدواته لهم، فزين لهم سوء أعمالهم، وابلسهم هائمين في أرض الغفلة وتيه النسيان لله وانعامه وبطشه وانتقامه، فزادهم الله رجسا علي رجسهم وفتح عليهم أبواب الملذات الفاجرة، ومكنهم منها بأسبابها وظنوا أنهم من أهل الانعام، لا من اهل الانتقام، وأخذتهم سكرة الغرور بالدنيا وشهواتها، وفرحوا بطرا وأشرا بما أوتوا، ففاجأهم الله بنقمته، وأخذهم وهم حياري من شدة ما نزل بهم فجأة من هول الانتقام ولا شك أن المغافلة بالانتقام في غمرة الملذات أنكى وأشد نكالا من العذاب المرتقب الذي تهيأت النفوس لنزوله.

ومن سنن الله التي يقررها القرآن العظيم، والتي يجب أن تسترعي أنظار المسلمين عامة ودعاة الاصلاح فيهم خاصة ما تكرر في آيات هذا الكتاب الحكيم في اسلوب تحاوري بديع بين المستكبرين والمستضعفين بيانا لأن الله تعالي لم يرضى في سننه لأحد من عباده بذل الاستضعاف ومهانة الاستسلام للباطل وأهله، مهما علوا واستكبروا في الأرض، لأن الذل والمهانة والاستسلام المستكين خارجة عن سنن الله التي اجري بها الحياة الكريمة، وأن تكن من سنن الله التي يعاقب بها المغرورين بالباطل والبهتان، وهذه المحاورات القرآنية وان لم تكن في هذه الحياة الدنيا إبانها ومكانها ولكن قصتها في القرآن وحكايتها في آياته بيان لحاضر واقع في حياة الناس، يتدافعون المسئولية عنه يوم لا ينفع التملص منه يقول الله تعالي (ولو تري إذا الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم الي بعض القول يقول الذي استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدي بعد إذا جاءكم بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار اذا تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا)

ويختلف أسلوب هذه المحاورات اختلافا يدفع عنها سمة التكرار، ويتشاجع في بعضها المستضعفون فيلقون بالمسئولية في وجه المستكبرين (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا) ولكنهم إذا ارتطموا في جهنم جميعا تلاعنوا وتسابوا (كلما دخلت أمة لعنت أختها حتي اذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون) فالله تعالي لم يرضى في سننه في المجتمع أن يذل ويهين المستضعفون، ولا أن يطغي ويتجبر المستكبرون لأنه تعالي خلقهم سواسية في طبيعة الانسانية، فلماذا يطغي ويستكبر المستكبرون، ويذل ويضعف المستضعفون (إن الذين توافاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) ومن سنن الله تعالي التي قررها القرآن ليحقق بها التوازن الاجتماعي في المجتمع أن الله تعالى ينتقم من الظالمين بظالمين مثلهم أو أطغي منهم، فإذا استشري الفساد في أمة من الأمم، وعجز العامة عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت