فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 470

نلاحظ أن جبرا كان يبحث في أوربة عن المفقود في وطنه، عن الأفق الحضاري الذي حُرِم منه الوطن العربي ورزح تحت وطأة الجهل والتخلف، واندهاش جبرا يعود إلى الإصرار الغربي على التعلق بهذا الأفق ولكنه سرعان ما اكتشف الغائب فيه وأحسَّ بغربته عنه، والغربة قادته إلى اغتراب جعله يتمنى أن يكون شحاذًا في القدس ولا يكون أميرًا في إنكلترا.

إن الصدمة الحضارية هي المرجع الرئيسي لتفسير هذا الموقف لجبرا. فموقف الاندهاش كان وليد الصدمة الإيجابية، والاغتراب كان نتيجة للصدمة السلبية، لقد رأى في أوربا أفقًا حضاريًا مذهلًا في تقدمه التكنولوجي وآلته الحضارية وفي تطوره الفكري، ولكنه أيضًا رأى في أوربا العداء للإنسان، كونه لا ينتمي إلى عالمها، وكونه ينتمي إلى عالم مقهور، إضافة إلى أنه يعاني من آثار هذا التقدم الهائل الذي يستخدم لقهر أبناء وطنه ولسلب شعبه، هذا التفارق في التوجه الغربي وفي التقدم خلق ذلك الموقف المتباين.

ولاشك في أن للمطالعات التي قام بها جبرا في أثناء وجوده في أوروبا أثرًا كبيرًا على تطور رؤيته للإنسان والعالم ولرؤية الذات ورؤية الآخر ويظهر أثر هذه المطالعات في المواقف الفكرية والدراسات النقدية والبحوث والمقالات التي كتبها على مدى مسيرة حياته الثقافية والفكرية، وليس مسوغًا لنا أن نقوم بإحصاء للكتب التي قرأها جبرا، أولًا لصعوبة العمل وعدم القدرة على الحصول على الإحصاء الدقيق، وثانياُ: لأن المنهج لا يتطلب مثل هذا الإحصاء لإثبات أثر الثقافة الغربية فيه، ولكننا سنرى أثر هذه المطالعات من مناقشتنا لبعض القضايا الفكرية عند جبرا ماطرحه منها بشكل مباشر أو ما استنتجناه من متابعتنا لآرائه في النقد والأدب والفن والعالم والحياة والإنسان، ويكفي أن نشير إلى ما يعرضه جبرا معدّدًا أنواع الدراسات التي تابعها في إنكلترا ويوضح أن هذه المرحلة هي ذات الأثر الحقيقي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت