صُوَّةٌ أخرى من الصُّوَى الرمزيّة التي تحقق الارتباط بين الطامح ومطمحه (المطلق) ؛ هنا يفترق البحر واقعيًا، عن الصخر بأنه ذو أفق واقعي حقيقي ممتد يضاف إلى أفقه الرمزي، كما أن غموض الصّخرة الموحي بواسطة قساوتها يختلف عن غموض البحر ووحيه بوساطة طراوته وامتداده، على الرغم من المجاورة المكانية بينهما لكنهما، عندما يأتلفان، يشكلان رمزية خاصّة، نظامًا رمزيًا ثنائيًا، كما رأينا في بحثنا لرمز الصخرة (صخر وماء) .
عندما يُفارق البَحْر (رمزًا) الصّخور، فإنّه يؤدي وظيفته الرّمزية المستقلة (المَعْبَر) وليس كما رأينا في الصخرة (الاندماج والامتزاج) وإنما هو قناة بين المنطلق والمُسْتَقَر. ولا يمكن أن يكون البحر مستقرًا، لأنّه مُسْتقرُّ الموت ( من أحداث السفينة انتحار فالح، ومحاولة انتحار السائح) .
إن البحر بناء رمزيّ ثانٍ فوق بناء رمزيّة الصّخر يستند إلى رمزيّة الصخر (منطلق الخلاص) والصّلة الامتزاجية بينهما"البحر جسر الخلاص" [1] .
الإنسان (الباحث عن خلاصه) يمتزج بالصّخر ويَعْبُر به البحر ليصل إلى المطلق.
الإنسان + الصّخر ( البحر ( المُطْلق
ويكتسب البحر جماله من ارتباطه بالمقدّس الوطنيّ (الأرض) إلى جانب ارتباطه هناك في اللامرئيّ اللامحدود) بالسّماء. فالثلاثة متمازجة، ومتماثلة إضافة إلى امتلاكه البُعد الحضاريّ:
"هذا البحر الأزرق يتألق، غير مكترث غير حافل، أنا أعرف ذلك، لأنّه يظن أنه يجمع حضارات الدنيا على شطآنه، ولكنه أيضًا يحمل لطعات من شاطئنا تجعله على هذا التألق، هذا الحسن. أنا أحب البحر المتوسط، وأركب السفينة فيه؛ لأنّه بحر فلسطين بحر يافا وبحر هضاب القدس الغربية، فأنت إذا صَعدْتَ هضاب القدس. ونظرتَ غربًا لن تعرف أين تنتهي الأرض وأين يبدأ البحر وأين يلتقي الاثنان بالسّماء. فهي ثلاثتها متداخلة متمازجة ومتماثلة [2] ."
(1) السفينة ، ص 5.
(2) نفسه، ص23.