3-ولكي يتم جبرا هذا العالم الموحد في ذات البطل قام بإسباغ الأنوثة على الصّخر، وقد يكون هذا الرّمز أدق الترميزات؛ لأن الصلة الواقعية الحقيقية قائمة بين الجسد والصخر ليس من ناحية الصلابة وإنما من ناحية الملمس في الماء فالإحساس بملمس الصخرة الملساء في الماء يعطي شعورًا بالأنوثة وأخصّ الصخور البيض والصّفر (صخرها الأصفر الوردي الأملس في نعومة بشرة النساء اللواتي يردنها كل صباح ومساء) . [1]
يلاحظ إذًا أن الإبداع لدى الكاتب لا يتم ولا تتم ينابيعه ومصادره إلا بهذا الرمز من خلال تحليلات مادية لعالم الروح في الجسد.
وعلى هيئة حوريات أسطورية تنبجس الصخور من الماء لتكون أنثى رائعة هائلة ترتفع وتنخفض ارتفاع وانخفاض النهدين والبطن والفخذين.
والملاحظ هنا أن الرمز جاء مقلوبًا ليحقق لذة التضاد، فالمعهود أنّ الماء عندما يريد أن يحقق المعجزة ينبجس من الصخر، وفي الصورة تأتي المعجزة على شكل أنثى، أو على شكل الأنوثة ذاتها، في صورة عكس للصورة الأولى وتتكرر هذه الدلالات وتتنوع في خطاب جبرا فإذا أخذنا النص التالي الذي يجمع مرموزات الصخرة جميعًا توضحت لنا أهمية هذا الرمز ودلالاته خطابًا وفنًا.
"لقد جعلنا من الصّخر سرّا نتقاسمه فيما بيننا، قلنا: إن الصخر يرمز إلى القدس شكلها شكل الصخرة.. فلسطين صخرة تبنى عليها الحضارات لأنها صلدة عميقة الجذور تتصل بمركز الأرض، والذين يصمدون كالصّخر يبنون القدس يبنون فلسطين كلّها. والمسيح من اختار ليكون خليفة له؟ سمعان الصخرة! والعرب ما الذي ابتنوه ليكون أجمل ما ابتنى الإنسان من عمارة؟ قبة الصخرة، وهؤلاء المزروعون في المنحدر؟ في الليلة المقمرة ترى رؤوسهم وأكتافهم ناتئة من حفرها، وإذا هي صخر. وبركة السلطان ما الذي نهواه فيها؟ الصخر الذي يحيط به الماء كلما كان هناك ماء فلنتغزل بالصّخر" [2] .
(1) السفينة ص 58.
(2) . المصدر نفسه، ص 56، 57.