فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 470

ويضيف جبرا تحليلًا يعيدنا إلى علاقة الإنسان البسيطة بالطبيعة وعلاقته الأولية بغرضه ودافعه الخام:"يعود به الحس الغامض، إلى ذلك الذي يلخص تجربة الإنسان الأصيلة بالمأوى، حسّ دخول المغارة كعودة إلى رحم الأمن والطمأنينة لكيما يعاوده الشعور عند خروجه بأنه أضحى في الملتقى بين المكان كعَراء.... يثيره بضيائه ووهجه والمكان ككهف يحميه بصمته وطراوته" [1] .

هذه إشارة واضحة إلى عالم الانعزال الصوفي و التلذذ بطراوة الكهفية وبصمتها والالتجاء إلى الذات؛ لأنها الموئل الوحيد في عالم الاغتراب ولكنّ اللذة لا تتحقق إلا حيث يقوم التضادّ ويحدث انطلاق إلى العراء الذي يتوهج ويضيء ليمنح الكهف جدواه ومسوّغه، ولكنْ ماهي وظيفة هذا الكهف، إنه مرة أخرى محاولة الاتصال بالغيب.

إذا بحثنا في روايات جبرا عن تجليات هذه الرّمزية المكانيّة؛ فلن تحتاج جهدًا كبيرًا للوصول إلى ذلك، ونجد الفهم العميق للمكان ولعلاقة الإنسان به في كثير من المواقف التي عرض لها أبطاله خاصة الفلسطينيين منهم، وأعني الذين يقومون بتمثيلهِ في الروايات (فوديع عسّاف) (بؤرة السفينة) ينتبه إلى الأهمية العظيمة للمكان في حياة الشاعر العربيّ -القديم بخاصة- وينتبه إلى العشق الكبير للأماكن، ليس فقط، لأنها مرتبطّة بالأحبة، وإنما تكتسب أهميتها من علاقة الشاعر بها ومن كون المكان ذا أهمية بنفسه، إلى جانب ارتباطه بالمحبوب؛ لذلك يشير وديع عساف بإعجاب إلى الشعراء الذين ذكروا الأمكنة مكرّرة في أشعارهم"كأنها أسماء الأحبة".

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

أو في هذه الأبيات لذلك المسكين الذي لا يعرف عنه إلا أن المنذر قتله لأنه التقى به يوم بؤسه (عبيد بن الأبرص) :

أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ مَلْحُوبُ ... فالقُطَّبيّاتُ فالذُّنوبُ

فَراكِسٌ فثعيلباتٌ ... فَذَاتُ فِرقَينِ فالَقِليبُ

(1) تأملات في بنيان مرمري، ص 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت