هذا التحليل يعتمد مرجعيتين ثقافيتين هما: علم النفس بفرعه الاجتماعي، والدراسة الفلسفية لعلاقة الإنسان بعالمه وإدراكه إياه، وهذا التحليل تحليل واعٍ للعلاقة الجوهرية بين الإنسان والمكان، يشخّصهما في أوليتهما (الخام) وهو ما سنراه واضحًا في رؤية أبطال جبرا وعلاقتهم بالمكان، ثم ينتقل جبرا إلى إكمال صورة المكان في إدراكه ووعيه ويُرَمِّز المكان ويضيف إلى العلاقة الأولية مكمّلاتها، إذْ يُعطي البعد الماديّ للمكان بُعدًا آخر روحيًا ليتمّ التوازن الذي يدفع إلى السكينة في التوجّه النفسي نحو المكان:
"فقد كان المكان...حيز المعيشة الآنية... حيز حبل السُّرَّة بين الولد ووالديه في غرفة صغيرة ويعني من ناحية أخرى ذلك الفضاء الفسيح الهائل الذي كانت الغرفة الصغيرة في تجربتي الشخصية تقوم به وكأنها ليست أكثر من كهف في منسرح جبلي حيث يقوم التّضاد لذيذًا مُحَفِزًا بين الداخل والخارج بين المكان كرقعةٍ محددةٍ، والمكان كفضاء لا يحدّ إلا بأفقٍ قصيٍّ، جباله زرقاء متلألئة وبسماءِ غيومها متناثرة" [1] .
يشكل المكان في العالم الداخلي لجبرا رمزًا نفسيًا (أموميًا) وهذا يشي بارتباط حميم، ولو فصل ظاهريًا أو ماديًا، فإنه يبقى قائمًا في العالم (الجوّانيّ) له والمكان لا يوصل إلى السكينة إلا إذا قام بعملية التضاد بين رمزية الكهف وبين رمزية الفضاء.
ولكن يجب أن ننتبه إلى أنّ جبرا درس علاقته بالمكان علاقة فردية طرفها الأول جبرا (النفسي) وطرفها الثاني المكان مسقطًا عليه خبرته الفكرية والنفسية معًا مغفلًا طرفًا مهمًا في دراسة كهذه هي الطرف الاجتماعي المؤثر المهم والرئيسي في فهم العالم والمكان. لأنّ المكان، إضافة إلى كونه علاقة فردية بالعالم، علاقة اجتماعية، وفهمه دلالة اجتماعية أيضًا.
(1) المصدر السابق ص 88.