يتردد مثل هذا الكلام عن الألوهية والأنسنة ومدّ جسر الخلاص بينهما على لسان (وليد مسعود) و (مريم الصفار) في (البحث عن وليد مسعود) عندما يختليان في بيت منعزل:"وليد أهكذا يكون الانتقال... من الأنسنة إلى الألوهية؟ تقصدين العودة من الألوهية إلى الأنسنة" [1] .
لقد ميز وعي جبرا للمكان طفو هذا الوعي العميق إلى حيز الإدراك، وهذه الصفة مميزة له ولأبطاله وهذا ماسنراه في عمق البحث، حيث نرى أنّ كل إحساس أو كل اتصال بالعالم أو فهم له لا يستطيع الرّسوّ كثيرًا في راقات اللاوعي ولكنه يصعد بقوة إلى الإدراك والوعي، ويحلل جبرا مدى ارتباطه بالمكان مرجعًا هذا الارتباط إلى مَلَكَةٍ شاعرية فطرية وإلى الفترة التكوينية من طفولته ومراهقته ويُرجعه أيضًا إلى التثبيت بالتنامي والتمرين والتدريب:"في أكثر ما كتبت عبر السنين، كان الزمن يستأثر بناحية أساسية من تفكيري وخيالي وأنا لا أعي غير أن الذي كنت أسبق إلى وعيه كان المكان، فطريًا...أولّ الأمر، ولكن بشكل أكثر وضوحًا أكثر إدراكًا مني لأبعاده مع تنامي التجربة وتنامي القدرة على الإمساك بشوارد الذهن... ولكنّ وعي المكان ذاته كان أشبه بشاعرية بصرية يستسلم لها المرء عفويًا دونما نقد أو تفحّص وهذا كله يعود عندي إلى تجربة المكان إبان الطفولة وسنوات المراهقة، تلك الفترة التكوينية التي تجعل الإنسان ماهو عليه جوهريًا حتى النهاية" [2] .
(1) البحث عن وليد مسعود، ص 225.
(2) تأملات في بنيان مرمري- جبرا إبراهيم جبرا- دار رياض نجيب الريس لندن- الطبعة الأولى- 1988، ص 87.