كيف يمكننا أن نفهم هذه المقولة في ضوء دراستنا لعلاقة جبرا بالمكان؟ إنّ هذه المقولة تعتمد في فهمنا للذات على وجهة نظر سيكولوجية أحادية الرؤية، فترى أنّ التمايز الواعي [بين الذات في جهة، والزمان والمكان في الجهة الثانية] ، هو التوصل إلى تحقيق وحدة الفرد، إنّ هذه النتيجة تبسيطية وبسيطة في آن معًا، وهي صحيحة من وجهة النظر (السيكولوجية) ، ولكننا سنرى أن علاقة الكاتب المبدع بالمكان تُخضع هذه النظرية إلى إضافات قد تكون أكثر أهمية من النظرية نفسها، إلى ذلك قد يُلاحظ تناقض بين العلاقة المطروحة في مقولة"أنطون رومانس"وبين علاقة جبرا بالمكان، ولكن هذا التناقض يبقى تناقضًا ظاهريًا فالعلاقة بين جبرا والمكان علاقة صَهْرية صوفيّة يتخذ فيها المكان الصفات القدسية ويعتلي ليكون حجّة ومقصدًا روحيًا، ويشكل رمزًا لتحديد هوية الكائن فلكي تتحقق الديمومة ويظفر الإنسان بالخلود لابد من الالتحام بالأرض (المكان) (أرض الرسالة) حيث الاتصال والاتحاد مع الله بخيوط المكان وعندها يتحول المكان إلى وسيط بين الكائن وبين مقصوده الإله (المطلق) ، نلاحظ أنّ العلاقة الأولى (علاقة وعي للتمايز) ويبدو وهمًا أنّ العلاقة الثانية في ظاهرها امتزاج صوريّ، إنّ هذا الوهم ينفي ذاته، لأنّ الامتزاج يوحي بعمق فكريّ روحيّ ونراه لا يتناقض مع العلاقة الأولى، فهو حالة بناء على النظرية التي قال بها"رومانس""إن وعي التمايز عن الزمان والمكان في رأي"رومانس"هو الذي يحقق كينونة الذات ولكن هذا الوعي الذي يؤدي إلى وعي الذات يعود في حالة جبرا وأبطاله إلى إلغاء هذا التمايز وإضافة وعي جديد زائد على التمايز وهو وعي الاندغام بالزمان والمكان.
تشرح الترسيمة التالية قدرة الزمان والمكان عند جبرا الشرح الذي يتكئ على مقولة"انطون رومانس":
(1) ... الكائن الغفل ... + ... وعي التمايز عن الزمان والمكان ... الوحدة والتماسك والتحقق الكلي