هذا الاعتراف يفتح لنا أفقًا يسوغ البحث تحت العنوان الذي طرحناه في بداية الفصل، ويغني عن الخوض في مسوغات البحث. إن الباحث يهتدي إلى فحوى اعتراف جبرا دون الاتكاء على مقولاته واعترافاته، وما اعترافاته إلا صوى يمكن الاهتداء بها؛ وما يستنتج أن هناك كمًّا وفيرًا من واقع الكاتب محتوى في كتابته، حتى لو لم يعترف بذلك. إن جبرا يتحدث في اعترافه السابق عن مرحلة واحدة من حياته هي الطفولة، فإذا كان خلال أربعين سنة من الكتابة قد استعار العديد من أحداث طفولته، فماذا يمكن أن يقول في المراحل اللاحقة من حياته ذات التأثير الكبير على الإنسان وفكره؛ إن ما يتعلق بالطفولة يحمل في خبرة الإنسان على شكل أحلام ورؤى، لكن ما يتعلق بما بعدها يحمل على شكل أفكار وعوالم وتصورات وطموحات؛ لذلك فالمراحل اللاحقة (مراحل التأثير الثقافي الأيديولوجي) مراحل مهمة أيضًا في سيرورة الخط التطوري لجبرا ومحمولها غني وخصب.
من هذا يتضح مدى الحاجة إلى البحث في المصادر الأيديولوجية التي تشكل المرجعية التاريخية للخطاب الروائي، وتمنحه مشروعيته خطابًا منتميًا إلى العالم إلى (التاريخ) إننا عندما نبحث في تأثير المحيط والبيئة فلسنا نقصد الأخذ المنفعل السالب أو الأخذ الحيادي أو التقبل الساذج غير النقدي للواقع والمحيط.
"ولكن الذات والمحيط قد يكونان أحيانًا على طرفي نقيض ويكون على الذات أن ترفض، بضرب من الجنون أن تجد انعكاسًا في المحيط وأن تتخلص من فعله المدمر". [1]
(1) المصدر نفسه، ص 13، أجريت بعض التعديلات في المقبوس ليلائم سياق الكلام. دون الإخلال بالدلالة.