الصفحة 5 من 55

إن القرآن الكريم كلام الله تعالى غير مخلوق، قال بذلك كل علماء الأمة من أهل السنة والجماعة خاصة وقد امتلأ القرآن الكريم، بالأدلة على إثبات هذه الحقيقة، من ذلك قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [1] .وأمر الله هو كلامه وقوله، فلما أمرهما بالقيام فقامتا لا يهويان، كان قيامهما بأمره.

وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [2] فالخلق جميع ما خلق، داخل فيه، ولا يجوز لنا أن ننزل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان، فلما قال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ} كان هذا في جميع الخلق، ولما قال: {وَالْأَمْر} ذكر أمرًا غير جميع الخلق، فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق.

ومما يدل من كتاب الله تعالى على أن كلامه غير مخلوق، قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [3] .

فلو كان القرآن الكريم مخلوقًا لوجب أن يكون مقولًا له: {كُنْ} . ولو كان الله تعالى قائلًا للقول: {كُنْ} لكان للقول قولًا، وهذا يوجب أحد أمرين:

-إما أن يؤول الأمر إلى أن قول الله غير مخلوق.

-أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك: صح وثبت أن لله عز وجل قولًا غير مخلوق

وقال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [4] فلو كانت البحار مدادًا كتبت لنفدت البحار، وتكسرت الأقلام، ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى، ومن فني كلامه لحقته الآفات، وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا عز وجل؛ صح أنه لم يزل متكلمًا.

وقال الله تعالى مخبرًا عن نفسه أنه يقول يوم القيامة: {لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [5] فلا يرد عليه أحد شيئًا، فيقول سبحانه لنفسه بنفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [6] .

فإذا كان الله عز وجل قائلًا مع فناء الأشياء، إذ لا إنسان، ولا ملك، ولا جان، ولا حي، ولا شجر، ولا مدر، فقد صح أن كلام الله تعالى خارج عن الخلق، لأنه يوجد، ولا شيء من المخلوقات موجود.

وقال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [7] والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالًا في غيره، مخلوقًا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم.

وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [8]

ولابد أن يكون شهد بهذه الشهادة وسمعها من نفسه، لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له، وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون قد شهد بها قبل كون المخلوقات، أو بعد كون المخلوقات، فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات فلم تسبق شهادته لنفسه بإلهية الخلق، وكيف يكون ذلك؟! وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن شهد به شاهد قبل الخلق، ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده، وأن يكون واحدًا قبل الخلق، لأن ما تستحيل الشهادة عليه مستحيل وإن كانت شهادته لنفسه بالتوحيد قبل الخلق فقد بطل أن يكون كلام الله عز وجل مخلوقًا، لأن كلامه شهادته.

والأدلة في إثبات ذلك كثيرة، ولو أحصيناها من كتاب ربنا لطال بنا المقام، ولخرجنا من حد الوسط والاعتدال إلى حد الشطط والإملال، فكفى بما ذكرناه شاهدًا.

ثم إن القرآن الكريم معجز في لفظه، معجز في نظمه، يتحدى الآخرين أن يأتوا بمثله، أو أن يأتوا بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، أو بآية واحدة، حتى بالحرف الواحد، كما في الأحرف المقطعة، وسجل الله تعالى في كتابه الكريم عجز الجميع أن يفعلوا شيئًا من ذلك فقال تعالى:

{قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [9]

وقال تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [10] .

(1) من الآية 25 من سورة الروم.

(2) من الآية 54 من سورة الأعراف.

(3) الآية: 40 من سورة النحل.

(4) الآية: 109 من سورة الكهف.

(5) من الآية: 16 من سورة غافر.

(6) من الآية: 16 من سورة غافر.

(7) من الآية: 164 من سورة النساء.

(8) الآية: 18 من سورة آل عمران.

(9) الآية: 88 من سورة الإسراء.

(10) الآية: 34 / الطور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت