وكم من مهازل , ومعارك قامت بسبب هذه الصواريخ الشيطانية التي يعبث بها هؤلاء الصِّبية , بمساعدة أولياء أمورهم , وقد حذَّر الله تعالى عباده من ذلك فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [1] , حيث حذر الله تعالى عباده من الانسياق وراء رغبات الأولاد , وليس كل مرغوب للأطفال مجاب من الرجال , فإن الطفل قاصر الإدراك عن مغبة الأشياء التي يرغب فيها , ويغره بريقها , كحاطب ليل لا يفرق بين الحبل والأفعى , ولا بين العصا والثعبان , فيأتيه حتفه من حيث يريد حياته , ولذلك قال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [2] , فحصر حقوق السفهاء من الصغار عامة , والأيتام خاصة في أموالهم الخاصة في الأكل والشرب واللبس بما اعتاده الناس من حولهم , مع النصح والمتابعة من ولي الأمر لمولاه , ولا يمكّنه من المال بحال حتى يبلغ رشده الذي يعرف به الحق من الباطل , والطيب من الخبيث , والنافع من الضار , ويميز بين ذلك , ويُجَرَّب في حسن الاختيار من عدمه , فإن تأكد من ذلك مكَّنه بحسب الحاجات الأساسية , حتى يصير رجلًا كامل الأهلية , عندئذ , فهو غير مسؤول عن سوء تصرفه.
فإن أساء الأب التنشئة الوالدية الإسلامية لأولاده فهو مسؤول عن كل تصرفاتهم حتى بعد موته , لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا , ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن يُنْقص من أوزارهم شيئًا) [3] .
وما أجمل الوالد الذي يعلّم ابنه أخلاق الإسلام في حسن رعاية حقوق الجيران , وحسن مراعاة المشاعر عند الآخرين , وحسن المحافظة على البيئة من أي تلوث سمعي , أو بصري , أو غير ذلك , فإن من ينشىء ولده على الصلاح نفعه في الدنيا والآخرة , ومن ينشىء ولده على غير ذلك أضير به في الدنيا وعوقب به في الآخرة.
فاجعلوا عباد الله أبناءكم يدعون لكم بعد موتكم فيستجاب لهم , ولا تجعلوهم يدعون عليكم فيستجاب لهم أيضًا , واستعينوا بالله عليهم , وادعوا الله لهم بالهداية والتوفيق.
وإلى لقاء آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اشتغال المعتكف بما لا يعنيه في اعتكافه
يبدأ في اليوم العشرين من رمضان، وعند غروب الشمس دخول المعتكفين إلى معتكفهم , في المساجد الكبرى , وفى الجوامع , الكل يتسابقون لنيل رضوان الله تعالى , ويحدوهم الأمل في الظفر بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر , ومتشوقون إلى النظر إلى وجه الله الكريم في الفردوس الأعلى من الجنة , والاستمتاع بالحور العين , وأنهار الجنة , ونعيمها , وفى الجنة مالا عين رأت , ولا أذن سمعت , ولا خطر على قلب بشر.
والاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان سُنَّةٌ مؤكدة , وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان من الرمضانات التسع التي قضاها في المدينة المنورة: عشرة أيام , فلما كان العام الذي قبض فيه - صلى الله عليه وسلم - , اعتكف - صلى الله عليه وسلم - عشرين يومًا [4] .
إن المعتكفين في عصرنا قد خرجوا عن المألوف في الاعتكاف , واشتغلوا بما لا يعنيهم , وتكلموا بما يزريهم , وخاضوا فيما ليس لهم به علم.
• فمنهم المجادلون في دين الله تعالى بغير علم.
• ومنهم المراءون الذين يطلبون الشهرة بين الناس.
• ومنهم اللصوص الذين يتربصون الفرص , ويتحينون غفلة الآخرين , أو انشغالهم بالعبادة ليسرقوا أمتعتهم.
• ومنهم الخارجون على القانون الذين يلتمسون الأمن والأمان في ساحات الاعتكاف , وما هم بمعتكفين.
• ومنهم الهاربون من زوجاتهم وأهليهم.
• ومنهم المتسولون.
• ومنهم , ومنهم , ومنهم ...
أصناف كثيرة من المعتكفين في عصرنا , ضاع في زحامهم المخلصون , الذين خرجوا إلى المعتكف , لم يخرجهم إلا الاعتكاف حسبة لله تعالى , والتزموا بآداب الإسلام في الاعتكاف
(1) التغابن / 14 - 16.
(2) النساء / 5.
(3) متفق عليه.
(4) رواه البخاري, وأبو داود, وابن ماجة.