الصفحة 31 من 55

وعن جابر- رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرَّت عيناه , وعلا صوته , واشتد غضبه , كأنه منذر جيش , يقول صبَّحكم ومسَّاكم ... » [1] .

وهذا هديه - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة , كما ذكره الإمام ابن القيم , في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد , فقال رحمه الله: «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس , ثم قال: (السلام عليكم) , فإذا استوى عليه , واستقبل الناس , أخذ المؤذن في الأذان فقط , ولم يقل شيئًا قبله , ولا بعده , قال الشعبي: وكان أبو بكر وعمر يفعلانه , فإذا أخذ في الخطبة لم يرفع أحد صوته البتة , لا مؤذن , ولا غيره , وكان كثيرًا ما يخطب بالقرآن , وكان مدار خطبه على: حمد الله , والثناء عليه بآلائه , وأوصاف كماله , ومحامده , وتعليم قواعد الإسلام , وذكر الجنة والنار , والمعاد , والأمر بتقوى الله , وتبيين موارد غضبه , ومواقع رضاه , وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين , ومصالحهم , ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله , ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة , ويذكر فيها نفسه باسمه العَلَم , وكان إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به ثم رجع إلى خطبته , وكان يخطب قائمًا , وكان يقصر خطبته أحيانًا , ويطيلها أحيانًا , بحسب حاجة الناس , وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة , وكان يخطب للنساء على حدة في الأعياد , ويحرضهن على الصدقة , والله أعلم» .

ذكرنا ذلك ليتعلم خطباؤنا الذين يسيئون إلى مستمعيهم , وليحذر مثيروا الفتن , ومفتعلوا المشاجرات في المساجد أثناء الخطبة , أو بعدها , تحت أي مسمى , فإن المساجد لم تبن لهذا , بل بنيت لما قاله الحق تبارك وتعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [2] , وقال سبحانه وتعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [3] .

وشهر رمضان فرصة ثرية للخطباء الذين يطيلون خطبهم أن يدربوا أنفسهم على تقصيرها بحيث لا تتجاوز النصف ساعة على الأكثر , وفى كل الأحوال , ولو كانت خمسة وعشرين دقيقة كانت أفضل , ولو كانت ثلث ساعة كانت أجمل وأحسن وأعظم , كما أنه فرصة لأصحاب الأعصاب الثورية , أن يدربوا أنفسهم على ضبط النفس , وكبت جماحها , وشغلها بما هو أنفع لها , حتى لا تشغلكم بما يضركم , ويضرها , قال الإمام الشافعي رحمه الله: «صاحبت الزاهدين فلم أستفد منهم إلا حرفين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك , ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل» , وإنه فرصة لتلاوة القرآن , وتعلمه , وتدبره , وتطبيقه.

فللدعاة أقول: اصبروا , وادفعوا بالتي هي أحسن , وخالقوا الناس بخلق حسن , ويسّروا ولا تعسِّروا , وبشروا ولا تنفروا , وقولوا للناس قولًا ليِّنًا لعلهم يتذكرون الله فيتقونه.

وإلى الناس أجمعين: اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. ولا تنسوا جميعًا أن تدعوا لإخوانكم في فلسطين وفي كل مكان أن ينصرهم الله على عدوهم وأن يثبت أقدامهم , ويوحد صفوفهم.

كثرة الكلام بلا حاجة , والضحك بلا سبب

أصبح باديًا لكل ذي عينين أن الثرثرة شعار الناس اليوم , وأن من لا يحسن الثرثرة قالوا عنه: «قفل» , أو قالوا عنه: «غبي» أو أي شيء آخر , أما هم فعند أنفسهم هم الأذكياء , والمتفتحون , الذين يستطيعون تلوين الكلام , ومجاراة الآخرين بكل لون , دون حياء , أو خجل , فهم أبنا «نكتة» , وهم مرحون خفيفوا الظل , لأن الدنيا عندهم هي الساعة التي يعيشونها , فلم يكدرونها على أنفسهم , إنهم يحاولون أن ينسوا همومهم في المزاح , ويتناسون مشاكلهم في «المقالب» التي يدبرونها لبعضهم البعض , وهكذا أصبح الكلام بلا داعٍ شرعي سمت الناس , وديدنهم , وأن الضحك بلا سبب شرعي , هو بضاعة المعاصرين , وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(1) رواه مسلم وابن ماجة وغيرهم.

(2) الجن / 18.

(3) النور / 36 - 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت