الصفحة 30 من 55

أما من حيث الصلاة: فإن الإمام الراتب أحق بالصلاة من غيره على كل حال , ما لم يكن يحسن تلاوة القرآن الكريم , خاصة الفاتحة , وسورة من كتاب الله تعالى , فإن كان كذلك لا تصح إمامته , ولكن على الناس أن يسلكوا المسلك الشرعي في إنكار المنكر دون إحداث فتنة , فللإمام الراتب مسؤولون يمكن الرجوع إليهم في هذا الشأن , فإن غيروه كان بها , وإلا فإن هجره أولى من المشاجرة معه , أما إذا كان افتعال المشاجرة معه لأنه يرتّل القرآن ترتيلًا , فهذا من باب قول الله تعالى: {أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاَ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَه (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [1] .

أو لأنه يطيل الصلاة , نظر , فإن كانت إطالته عن غير المألوف شرعًا , نصح بالحسنى , قال - صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله , ولرسوله ولكتابه , ولأئمة المسلمين , وعامتهم) [2] , وروعي معه أدب الإسلام في النصيحة , كما قال - صلى الله عليه وسلم: (من نصح أخاه في السر فقد زانه , ومن نصحه في العلن فقد شانه) .

وقديمًا قالوا: «النصيحة في الملأ فضيحة» , فكيف بمن يتشاجر معه فور الصلاة , بل من الناس من يقطع الصلاة أصلًا ثم يقف ويسب الإمام أثناء الصلاة , ويشوش على المصلين , وكل هذه أمور شيطانية يستدرج بها الشيطان أولياءه ليصدوا عن سبيل الله بغير علم.

أما إن كانت إطالته أمر يتفق عليه أغلب رواد المسجد , الدائمون منهم , فإن من يخرج عن هذه الكثرة , ويحاول أن يثير بينهم النزاع والشقاق , وسوء الأخلاق , فهذا شيطان لابد من إخراجه من المسجد على الفور , وهذه مهمة أهل الحل والعقد في المسجد , وإن نصح هذا الشيطان بالحسنى كان أولى , وإن صبر الناس عليه كان أولى وأولى , قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [3] .

ربنا اجعلنا للمتقين إمامًا , آمين.

وإلى لقاء آخر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الخطبة على خلاف منهاج النبوة

الخطباء أنواع كثيرة , فمن حيث زمن الخطبة: منهم من يطيل الخطبة إلى حد لا يطاق , ويخرج عن مألوف الشرع الحنيف , ومنهم من يقتصرها قصرًا مخلًا , ومنهم من يسير وسطًا بين هؤلاء , وهؤلاء , وهم الكثيرون بفضل الله تعالى , أما من حيث الموضوعية , فمنهم من يعالج قضايا مجتمعه , ويقتصرها على الجوانب السياسية البحتة , ومنهم من يعالج قضايا مجتمعه ويقتصرها على الجوانب الاجتماعية المختلفة , ومنهم من يعالجها من كافة جوانبها السياسية , والاجتماعية , والثقافية , والفكرية , وغير ذلك , ومنهم من يعرض عن ذلك , ويجعلها وعظية في المقام الأول والأخير , دون التعرض من قريب أو من بعيد لقضايا مجتمعه , وكأنه يعيش في كوكب آخر , ومنهم ذو اللسان العليم , والفكر الصائب , واللغة السليمة , والأدلة الموضوعية من القرآن , والسنة , والآثار , والشعر , والقصة , والمثل ونحو ذلك , ومنهم العَيِيِّ الذي لا يحسن قولًا , ولا يروق سمتًا , ومنهم الناشيء المبتديء , ومنهم المخضرم , ومنهم الوسط بين ذلك.

والفيصل بين كل هؤلاء جميعًًا هو هدي النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - القائل: (وأوتيت جوامع الكلم) [4] , والقائل: (من مئنة فقه الرجل: قصر الخطبة وطول الصلاة) [5] , أي: أن علامة فقه الرجل ليس بكثرة كلامه في الخطبة , إنما يعرف فقهه من طول صلاته , وجوامع الكلم , يعني الكلام القليل ذو المعاني الكثيرة , وعن العرباص بن سارية- رضي الله عنه- قال: «وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة , وجلت منها القلوب , وذرفت منها الدموع , فقلنا يا رسول الله!! لعلها موعظة مودِّع فأوصنا , قال: (أوصيكم بتقوى الله ... ) إلخ الحديث [6] .

والبلاغة مراعاة الكلام لمقتضى الحال.

(1) أواخر سورة العلق.

(2) متفق عليه.

(3) فصلت / 33 - 36.

(4) متفق عليه.

(5) حديث حسن.

(6) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت